المتثبّت غزيرَ ( 1 ) البضاعة ، عريضَ التتبّع .
وقد صنّف فيه رهط من العلماء .
وأوّل من دوّنه وأفرده فنّاً مفرداً أبو عبيدة معمّر بن المثنّى ( 2 ) تلميذ أبان بن عثمان
الأحمر البجلّي الكوفي ، من رجال أبي عبد الله الصادق وأبي الحسن الكاظم ( عليهما السلام ) . وقد
كان أبان بن تغلب بن رَباح - رضي الله تعالى عنه - الفقيهَ اللغوي القارئ ، من
أصحاب السجّاد والباقر والصادق ( عليهم السلام ) ، قد أنْهَجَ هذا المنهج من قبلُ ، وصنّف كتاب
الغريب في القرآن وذكر شواهده من الشعر . فأبو عبيدة حذا حذوه ونَهَجَ نهْجَه في غريب
الحديث .
وقيل : أوّل من صنّف في غريب الحديث ودوّنه فنّاً ، النضر بن شُميل ( 3 ) ثمّ من
بعدهما أبو عبيد القاسم بن سلاّم ، ثمّ ابن قتيبة ما فاته ، ثمّ الخطّابي ما فاتهما .
فهؤلاء أُولو أُمّهات هذا الفنّ ، ثمّ تبعهم غيرهم بزوائدَ وفوائدَ . وفاق الزمخشري
في فائقه كلّ فائق ، ونال الهروي في غريبي القرآن والحديث أوفرَ النصيب ، وأدرك
المطرّزي بإسباغ الفحص في كتابيه المعرب والمغرب أمدَ كلّ غاية . وبلغ ابن الأثير
بالتحقيق في نهايته النهايةَ .
وأمّا " غريب الفقه " : فهو ما يتضمّن بظاهر المتن وباطنه نكتةً غامضة ، إمّا من
حقائق المعارف ودقائق الأسرار ، أو من شرائع الأحكام ووظائف الآداب المستنبطة
منه ، ببالغ النظر ودقيق التأمّل .
فهذه أحد وعشرون ضرباً من أقسام الحديث الفرعيّة تجري في كلّ من أقسامه
الخمسة الأصليّة ، وهناك ضروب أُخَرُ فرعيّة ( 4 ) يقال في الأشهر : إنّها لا تصحّ في
هامش
1 . في حاشية " أ " و " ب " : " الغزارة : الكثرة ، وغزرت الناقة أيضاً كثرت لبنها " .
2 . أشار إليه في النهاية في غريب الحديث والأثر 1 : 5 .
3 . القائل هو الحاكم النيسابوري في معرفة علوم الحديث : 88 .
4 . في حاشية " أ " و " ب " : " إشارة إلى تحقيق يندفع به إشكال يتوهّم وروده على المتأخّرين ، وقد أورده بعض
الناظرين في هذا العلم على والده الشهيد زين المتأخّرين ( منه مدّ ظلّه العالي ) " .