و " المُصِحّ " - بضمّ الميم وكسر الصاد - الذي صحّت وسلمت ماشيته وإبله من
الأمراض والعاهات .
ووجه الجمع بين الحديثين حَمْل الأوّل على أنّ " العَدْوى " المنفيّةَ عَدوى الطبع ،
أي ما كان يعتقده الجاهلون من أنّ ذلك يتعدّى من جنبة فعل الطبيعة من غير استناد
إلى إذن الله سبحانه وأمره وإرادته جلّ سلطانه . ولذلك قال ( صلى الله عليه وآله ) : " فمَن أعدى
الأوّلَ ؟ " . ( 1 ) وذلك كما أنّ الجاهلين كانوا يُسندون الأمطار إلى الأنواء كالثريّا والدَبَران ،
لا إلى إفاضة الله تعالى ورحمته ، فنهى النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) عن ذلك وقال : " من قال : مُطِرنا بنَوْء
كذا ، فقد كفر " أو " فهو كافر " . ( 2 )
و " الأنواء " منازل القمر الثمانيةُ والعشرون وإيّاها عنى إذ قال عزّ قائلاً : ( وَالْقَمَرَ
قَدَّرْناَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) . ( 3 ) يكون كلّ منها مختفياً تحت شعاع الشمس
ثلاث عشرة ليلةً ويظهر من بعد طلوعُ الفجر ، ويسمّى ذلك الظهور طلوعَ ذلك
المنزل ، فتسقط في أُفق الغرب بعد كلّ ثلاث عشرة ليلةً منزلةٌ ويطلع من أُفق الشرق
رقيبها مع طلوع الفجر .
وحَمْل الثاني على التحذير من ضرر التعدية الغالبِ حصولُها عند المخالطة
والإيذان ، بأنّ الله - عزّ وجلّ - جعل المخالطة سبباً للأعداء ، وأمَرَ الطبيعةَ بالإقدام
على ذلك ، والفعّال المهيمن على الأمر كلّه - الذي بيده مقاليد الأُمور كلِّها - هو الله
سبحانه .
ومن هذا السبيل قوله ( صلى الله عليه وآله ) : " فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد " . ( 4 ) ونهيُه عن
هامش
1 . تقدّم آنفاً .
2 . الدّر المنثور 8 : 31 في ذيل الآية 75 من الواقعة ( 56 ) . وعنه في بحار الأنوار 55 : 329 ، ح 23 .
3 . يس ( 36 ) : 39 .
4 . الفقيه 3 : 363 ، ح 1727 الباب 178 ؛ صحيح البخاري 5 : 2158 و 2159 ، ح 380 باب الجذام ؛ مسند أحمد
3 : 190 ، ح 9429 .