تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
شرح
إن دابر الفحشاء ينقطع إذا أميت ذكرها ولم تختلج ببال الناس أبدا . حيث إن النفس ميالة إلى لذائذ تسمع ذكرها . وأما التي لم تقرع سمعها فهي في غفلة عنها فقد تمضي فترة طويلة . وربما حقب مديد ، ولا ترتكب معصية خاصة إذا غفل الناس عنها ولم يخطر ببالهم ارتكابها . وقد قالوا قديما : إن القلوب تهوي ما رأته الأبصار وإلى هذا المعنى يشير الشاعر العارف الفارسي ( بابا طاهر عريان ) . زدست ديده ودل هر دو فرياد * كه هرچه ديده بيند دل كند ياد بسازم خنجري نيشش زفولاد * زنم برديده تادل گردد آزاد ولذلك كله اهتم الشارع المقدس باخفاء ذكر الفواحش والمنع من إشاعتها والتحدث عنها . هذه من ناحية . ومن ناحية أخرى : أن للمعاصي في أنفسها هيبة ونفرة عمومية يهابها أفراد الناس ويخافها كل أحد ، ولا يقدم شخص على ارتكابها . ولكن ما دامت قابعة في إطار الخمود وزوايا الغفلة العامة . أما إذا برزت للظهور وكسرت حدودها وجاءت في معرض الوجود ، ولا سيما إذا استرذلت فيرتكبها الناس أفواجا أفواجا من غير مهابة ، أو احتشام . والسر في ذلك : أن كل أحد يشعر في قرارة نفسه أن ارتكاب معصية ما أمر غير مقدور ، أو هو مستهجن قبيح وسوف يذمه العقلاء والناس أجمعون . وهذه وأمثالها أفكار تختلج أذهان كل من يهم بمعصية من المعاصي . ولكن إذا استرخصت وبذلت وذهبت الحشمة والأبهة وأصبحت من الأمور المعتادة بحيث لا يخافها الناس ولا يحتشموها ، ولا يقبحونها فعند ذلك يقدم كل أحد على ارتكابها حتى الذي لم يكن له داع من ذي قبل إلى الهم بها والتمتع بنوعية لذتها .