شرح
إن دابر الفحشاء ينقطع إذا أميت ذكرها ولم تختلج ببال الناس أبدا . حيث
إن النفس ميالة إلى لذائذ تسمع ذكرها .
وأما التي لم تقرع سمعها فهي في غفلة عنها فقد تمضي فترة طويلة . وربما حقب
مديد ، ولا ترتكب معصية خاصة إذا غفل الناس عنها ولم يخطر ببالهم ارتكابها .
وقد قالوا قديما : إن القلوب تهوي ما رأته الأبصار وإلى هذا المعنى يشير
الشاعر العارف الفارسي ( بابا طاهر عريان ) .
زدست ديده ودل هر دو فرياد * كه هرچه ديده بيند دل كند ياد
بسازم خنجري نيشش زفولاد * زنم برديده تادل گردد آزاد
ولذلك كله اهتم الشارع المقدس باخفاء ذكر الفواحش والمنع من إشاعتها
والتحدث عنها .
هذه من ناحية .
ومن ناحية أخرى : أن للمعاصي في أنفسها هيبة ونفرة عمومية يهابها أفراد
الناس ويخافها كل أحد ، ولا يقدم شخص على ارتكابها . ولكن ما دامت قابعة في
إطار الخمود وزوايا الغفلة العامة .
أما إذا برزت للظهور وكسرت حدودها وجاءت في معرض الوجود ، ولا سيما
إذا استرذلت فيرتكبها الناس أفواجا أفواجا من غير مهابة ، أو احتشام .
والسر في ذلك : أن كل أحد يشعر في قرارة نفسه أن ارتكاب معصية ما أمر
غير مقدور ، أو هو مستهجن قبيح وسوف يذمه العقلاء والناس أجمعون .
وهذه وأمثالها أفكار تختلج أذهان كل من يهم بمعصية من المعاصي .
ولكن إذا استرخصت وبذلت وذهبت الحشمة والأبهة وأصبحت من الأمور
المعتادة بحيث لا يخافها الناس ولا يحتشموها ، ولا يقبحونها فعند ذلك يقدم كل أحد
على ارتكابها حتى الذي لم يكن له داع من ذي قبل إلى الهم بها والتمتع بنوعية لذتها .