وكان يقضي نهاره في بلده بالتدريس ، وقضاء حاجات المحتاجين ، ويمضي
ليلة بالاحتطاب ، وحفظ الكرم كما يحدثنا به تلميذه ابن العودي .
لكن مع هذا كله جاء كثير التأليف ، خصب الكتابة ، مع ضبط
للمواضيع ودقة في النقل ، وترو في الآراء ، وعمق في النظريات ، ونضج
في الفتاوى . .
كون ( الشهيد ) مدرسة قائمة بذاتها لها خصائصها وميزاتها
ووجهاتها الخاصة بما ألف وأنتج في عالم التصنيف .
وأسفاره الكثيرة ، وحضوره على أساتذة مختلفين ، وقراءته عند
علماء المذاهب الإسلامية ، ومطالعاته الطويلة في شتى الكتب من سائر
ألوان الثقافات الدارجة في ذلك العصر ، وصبره الزائد على الفحص
في المصادر والمراجع العلمية . .
كل هذه العوامل طبعت ( مؤلفات الشهيد ) بطابع الموضوعية
في الدراسة ، والعمق في الفكرة ، والوضوح في التعبير والسلاسة
في صياغة الألفاظ ، والانسجام في الترتيب ، والأناقة في العرض وحسن
السليقة في التبويب ، والطرافة في التنظيم .
والذي يجلب النظر فيما كتبه الشهيد أنه لم يخصص كتاباته بطبقة
خاصة من الناس ، فبينما نرى أنه يكتب موضوعا علميا بحتا للعلماء
المتخصصين يكتب موضوعا أخلاقيا بسيطا للسوقة ، والذين ليس لديهم
حظ وافر من العلم .
وبينما يصنف في الفقه الاستدلالي بمستوى كبار الفقهاء يؤلف
في المواضيع الإسلامية وغيرها لأبسط الناس .
وكان الشهيد كذلك يستوحي في بعض الأحيان من الظروف التي
تكتنفه : فكتب كتابا في الغيبة ، لأنه يرى بعض الناس يصرفون كثيرا
الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 188
مساهمون: الشهيد الثاني
ص١٨٨