ولم يشأ أن ينهي سفرته هذه ويعود إلى وطنه قبل أن يذهب
إلى ( العراق ) ويزور ( المراقد المطهرة ، والمشاهدة المقدسة ) هناك
ويتصل بالأعلام القاطنين في تلك الديار ، فيمم صوب العراق وورد
( سامراء ) يوم الأربعاء رابع شهر شوال سنة 952 ه ، وتنقل في البلدان
العراقية واحدا بعد واحد ، وزار ( المشاهد المشرفة ) وقبور الصالحين
المشيدة في ( بغداد والحلة وكربلا والكوفة والنجف الأشرف ) ، وغيرها .
وكانت الحفاوة بمقدم ( الشهيد ) بالغة جدا ، فلم ينزل في مدينة
إلا وكان يتدفق عليه سيل الزائرين من العلماء والأفاضل ، وسائر الطبقات
المحترمة ، يسلمون عليه ويرحبون به ، ويستبشرون بلقياه ، ويسرون
بمقدمه المبارك .
وإن دلت هذه الحفاوة البالغة على شئ فإنما تدل على المكانة العلمية
الكبيرة التي كان يحتلها ( الشهيد ) في العالم الإسلامي آنذاك ، وعظيم
الاحترام في نفوس المسلمين كافة حتى البعيدين عن وطنه ، ومسقط رأسه
وتدل كذلك على أنه كان يتمتع بشهرة واسعة جدا في الأوساط العلمية
في مختلف البلدان القريبة والنائية .
وهذه الحفاوة والزيارات لم تشغل ( الشهيد ) عن الرسالة العلمية
التي كان يسعى إلى تحقيقها أينما حل ، فسعى سعيا مشكورا في التحقيق
من ( قبلة العراق ) بصورة عامة ، وقبلة ( مسجد الكوفة )
و ( حرم أمير المؤمنين ) عليه السلام بصورة خاصة ، إذ وجد القبلة
في هذه الأمكنة منحرفة عما يجب أن تكون عليه ، فحقق مقدار
انحرافها وصلى طبق ما أدى إليه اجتهاده ، مخالفا لما كان عليه الأهالي
من ذي قبل .
ولقي هذا العمل العظيم ارتياحا كبيرا في النفوس ، ولم يتخلف
الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية — صفحة 184
مساهمون: الشهيد الثاني
ص١٨٤