قريب " ، أي عن قرب عهد بالخطيئة ، بأن يتندم عليها ، ويمحو أثرها بحسنة
يردفها بها ، قبل أن يتراكم الرين على القلب فلا يقبل المحو !
والتوبة إذا استجمعت شرائطها ( بأن كانت صحيحة نصوحا ، خالية من
الشوائب ) فهي مقبولة لا محالة ، لأن كل قلب سليم مقبول عند الله ، والقلب
خلق سليما في الأصل ، ونار الندم تحرق غبرة الذنوب ، ونور الحسنة يمحو
عن وجه القلب ظلمة السيئة ، والله خلق الطاعة مكفرة للمعصية ، والحسنة
ماحية للسيئة !
والذنب عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى في ترك أو فعل ، وتنقسم
الذنوب إلى صغائر وكبائر ، ويرى الغزالي أن الكبائر على ثلاث مراتب :
( 1 ) ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله ، وهو الكفر ( ومنه
الشرك بالله ، وكفر الأمن من مكر الله ، والقنوط من رحمته ) ، ويليه الإصرار
على معصية الله ، وتناول الدين بالإغواء ، والدعاء إلى البدعة ، والترغيب في المعاصي
وتهييج أسباب الجرأة على الله ، وبعضها أشد من بعض ، وتفاوتها على حسب
تفاوت الجهل بها ، وعلى حسب تعلقها بذات الله سبحانه وبأفعاله وشرائعه
وبأوامره ونواهيه .
( 2 ) ما يسد باب حياة النفوس ، إذ ببقائها وحفظها تدوم الحياة وتحصل
المعرفة ( كقتل النفس والزنا واللواط ) ، فقتل النفس لا محالة من الكبائر
وإن كان دون الكفر ، لأن ذلك يصدم عين المقصود - التوصل بالدنيا
للآخرة بمعرفة الله تعالى - وهذا يصدم وسيلة المقصود ، والزنا دون القتل
لأنه يفوت تمييز الأنساب ، وأشد من اللواط ، لأن الشهوة داعية إليه من
الجانبين ، فيكثر وقوعه ، ويعظم أثر الضرر بكثرته ، واللواط شديد ، لأنه لو
اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور في قضاء الشهوات ، انقطع النسل .
ويقول الغزالي إن للنكاح فوائد وآفات ، على العبد أن يوازن بينهما ،
ويرجح الأصلح له منهما ( 1 ) .
هامش
( 1 ) فآفاته ثلاث : العجز عن طلب الحلال ، والقصور عن القيام بحق الزوجة ،
وأن يكون الأهل والولد شاغلا له عن الله تعالى ، وجاذبا إلى طلب الدنيا بكثرة جمع المال
وادخاره للأولاد . وأما فوائده فخمسة : الولد ( وهو الأصل وله وضع النكاح ، وإنما
الشهوة خلقت باعثة مستحثة ) ، والتحصن عن الشيطان وكسر التوقان ، وتفريغ القلب
عن تدبير المنزل وتهيئة أسباب المعيشة ، ومجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية
والقيام بحقوق الأهل والصبر على أخلاقهن ، واحتمال الأذى منهن ، وإرشادهن إلى
طريق الدين ، والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن ، والقيام بتربيته لأولاده .
ويقول الغزالي : " إن الصبي أمانة عند والديه ، وهو قابل لكل نقش ،
ومائل إلى كل ما يمال به إليه ، فإن عود الخير وعلمه ، نشأ عليه وسعد في الدنيا
والآخرة ، ويشاركه في ثوابه أبواه " . راجع ص 95 و 97 من الثقافة الروحية في
كتاب إحياء علوم الدين للغزالي لمحمود علي قراعة .