( 2 ) فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ، ثار من هذه
المعرفة تألم للقلب وتأسف ، بسبب فوات المحبوب بفعله ، ( يسمى ندما ) !
وتتمكن مرارة تلك الذنوب في قلبه بدلا عن حلاوتها ، فيستبدل بالميل
كراهية ، وبالرغبة نفرة دائمة !
( 3 ) فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى ، انبعثت منه في القلب حالة
أخرى تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال ( بالترك لكل محظور
هو ملابس له ، وأداء كل فرض هو متوجه عليه في الحال ) وبالماضي ( بتلافي
ما فات بالجبر والقضاء ، إن كان قابلا للجبر ) وبالمستقبل ( بالعزم على ترك الذنب
المفوت للمحبوب إلى آخر العمر ، بأن يعقد مع الله عقدا مؤكدا ، ويعاهده بعهد
وثيق أن لا يعود إلى تلك الذنوب ولا إلى أمثالها ) - وكثيرا ما يطلق اسم
التوبة على معنى الندم وحده ، ويجعل العلم كالمقدمة ، والترك كالثمرة !
والتوبة واجبة بجميع أجزائها الثلاثة : العلم والندم والترك ، وهي واجبة
على الفور .
وظاهر الكتاب قد دل على هذا ، إذ قال تعالى : " وتوبوا إلى الله جميعا
أيها المؤمنون ، لعلكم تفلحون " ، ونور البصيرة أيضا يرشد إليه ، إذ معنى التوبة
الرجوع عن الطريق المبعد عن الله ، المقرب إلى الشيطان .
والغزالي يرى أن كل بشر لا يخلو عن معصية ، إما بجوارحه ، وإما بالهم
بالذنوب بقلبه ، وإما بوساوس الشيطان بإيراد الخواطر المتفرقة المذهلة عن
ذكر الله ، وإما بغفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله ، ويقول إنه
" لا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص ، وإنما يتفاوتون في المقادير
فإذا بلغ كافرا فعليه التوبة من جهله وكفره ، وإذا بلغ مسلما تبعا لأبويه غافلا
عن حقيقة إسلامه ، فعليه التوبة من غفلته بتفهم معنى الإسلام ، فإن فهم ذلك ،
فعليه الرجوع عن عادته ، بالرجوع إلى قلب حدود الله في المنع والإطلاق
والانفكاك والاسترسال " !
" ليست التوبة للذين يعملون السيئات ، حتى إذا حضر أحدهم الموت ، قال
إني تبت الآن ، إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ، ثم يتوبون من
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 376
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٧٦