ويقول الغزالي في ذم الدنيا إن كل ما ليس لله ، فهو من الدنيا ( صورة
ومعنى ) ، وما هو لله ، فذلك ليس من الدنيا ! والأشياء ثلاثة أقسام :
( 1 ) المعاصي والمحظورات وأنواع التنعمات في المباحات : هي الدنيا
المحضة المذمومة ( ولا يتصور أن يكون ذلك لله ) !
( 2 ) ما صورته لله ، ويمكن أن يجعل لغير الله ، وهو الفكر والذكر
والكف عن الشهوات : ( فإذا جرى ترك الشهوة مثلا ، ولم يكن عليه باعث
سوى أمر الله واليوم الآخر ، فهو لله ، وإن كان الغرض منه حفظ المال
أو الحمية لصحة البدن أو الاشتهار بالزهد ، فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى ) !
( 3 ) ما صورته لحظ النفس ويمكن أن يكون معناه لله : وذلك كالأكل
والنكاح وكل ما يرتبط به بقاؤه ، فإن كان القصد حظ النفس ، فهو من الدنيا ،
وإن كان القصد الاستعانة به على التقوى ، فهو لله بمعناه !
فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ، ويعبر
عنه بالهوى ، ويقول الغزالي : " إن الخير أن لا يترك الإنسان الدنيا بالكلية ،
ولا يقمع الشهوات بالكلية ، أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد ، وأما الشهوات
فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل ، ولا يتبع كل شهوة ، ولا يترك
كل شهوة ، بل يتبع العدل ، ولا يترك كل شئ من الدنيا ، ولا يطلب كل شئ
من الدنيا ، بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ويحفظه على حد مقصوده " !
وقال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ، لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن
ذكر الله ، ومن يفعل ذلك ، فأولئك هم الخاسرون " ، ويقول الغزالي : إن المال
مثل حية فيها سم وترياق ، ففوائده ترياقه ، وغوائله سمومه ، وأما فوائده
الدينية ، فهي أن ينفقه على نفسه ، إما في عبادة ( كالاستعانة على الجهاد ) أو في
الاستعانة على عبادة ( كالمطعم ) ، وما لا يصرفه إلى إنسان معين ، ولكن
يحصل به خير عام ( كبناء المساجد ودور المرضى ) ، وما يصرفه إلى الناس
من صدقة ومروءة ووقاية عرض وأجرة استخدام ، سوى ما يتعلق بالحظوظ
العاجلة من الخلاص من ذل السؤال والفقر والوصول إلى العز بين الخلق
وكثرة الأعوان والكرامة في القلوب !
الثقافة الروحية في إنجيل برنابا — صفحة 353
مساهمون: محمود علي قراعة
ص٣٥٣