تغليب روحية اللذات في الجنة :
الإسلام دين روحانيات ومعنويات ، وهو عند ذكر الماديات الأخروية ،
لا يريد بها جزاءها الحسى فحسب ، بل يريد بها جزاءها المعنوي الروحي أيضا ،
وإن أراد ببعضها اللذة الحسية ، فإنه لا يريدها حقيرة متواضعة ، كما هي في
دنيانا ، بل يريدها عزيزة تتصل أكبر ما تتصل بالروحانيات والمعنويات ( 1 ) " !
واللذة سواء أكانت حسية أم معنوية ، تتصل أكبر ما تتصل بالتفاعلات
النفسية ، وتقرب كل القرب من الروح ! وبضم الحاسة الفنية نكاد نتفق
في إعزاز الجزء الروحي في كل حاصة من الحواس الخمس ، وإكبار شأوه وفهم أنه
أسمى جزئياتها ! فأنت إذا رأيت مثلا منظرا جميلا ، هل تستطيع أن تقدر
لطربك الروحي من رؤية هذا المنظر أقل من تسعة أعشار ما يشع عليك من
سرور ؟
والإنسان كما يمكنه أن يسمو بلذته الحسية إلى حيث مرقاة الروح ، يستطيع
أن ينزل بها إلى حيث يريد من النزول ! فعند سماعك لغناء ، تستطيع أن ترقى به ،
وتستطيع أن تجعله ينزل بك ، فإذا سمعت غناء من ذي صوت جميل ، لتقديس
الله بالتفكر في جمال الحناجر التي خلقها ، فأنت رجل روح تتمتع بلذة السماع .
وهي لذة حسية ، وترتفع بها إلى جعلها ترقى بروحك وبنفسك ، وأما إذا كنت
تسمع صوتا جميلا من جميل ، وتريد بسماعك ومن حركات المغني تحريك
شهواتك ، فأنت نازل بلذتك الحسية إلى الحضيض ، ولذا قرر السهروردي
حل الغناء في الأولى ، وحرمته في الثانية !
فحسية اللذات لا تمنع من روحانيتها ، لأن اللذة معنى لا يحس ، وأنها إذا
نسبت لما ينتجها ، فليس هذا إنزالا لها من عالمها إلى عالم المادة أو الحس ( 2 ) .
ويتوصل بتصور ما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب
والفضة ، إلى تصور ما أخبر الله تعالى به من ذلك في الجنة ، ولكن لا يلزم
هامش
( 1 ) راجع ص 315 س 126 ع 145 من مجلة الرسالة لمحمود علي قراعة .
( 2 ) راجع مجلة الرسالة العدد 316 س 7 ص 1473 و 1474 لمحمود علي قراعة .