لأن الرأي أنه جل شأنه ، لا يرى ولا يحس إلا بعيون مخلوقة له ومجلي
لائق باستعداد الرائي كما نقله الآلوسي عن بعض المحققين في تفسير قوله تعالى
" وجوه يومئذ ناضرة ، إلى ربها ناظرة " ، أنه إذا رفع الحجاب بينه تعالى وبينهم ،
ينظرون إليه وينظر إليهم عز وجل ، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه
غدوة وعشية ، فيرونه سبحانه ، لكن لا من حيث ذاته البحث ، ولا من حيث
كل تجل حتى تجليه بنوره الشعاعي الذي لا يطاق ، بل بتجل مطاق لهم وملائم
لاستعدادهم ، وأن هذا الحجاب غير الحجاب المشار إليه في حيث " حجابه
النور ، لو كشفه ، لأحرقت سبحات وجهه ( أنواره وجلاله وعظمته التي خر
منها موسى صعقا ( 1 ) ، وتقطع الجبل دكا لما تجلى عليه ) كل شئ أدركه بصره ،
فلا معنى لرؤية ذاته تعالى عند المحققين إلا رؤية حجابه ( حجاب التنزل والتجلي ) ،
كما أنه لا معنى لرؤية ذواتنا إلا رؤية ألوانها وأصواتها ( 2 ) ، وهذه لذة روحية
عند من يفهمون الروحانيات !
الصلة بين اللذتين الروحية والحسية :
نحن نؤمن بأن لذة النظر إلى وجه الله تعالى تفوق كل اللذات ، وأن لذة
اللقاء والرضا أسمى نعيم . وإنا نرى أن اللذات الأخرى الثانوية لذات حسية
هامش
( 1 ) سأل كليم الله موسى ربه تعالى النظر إليه ، فقال له ربه تبارك وتعالى " لن
تراني ، ولكن انظر إلى الجبل ، فإن استقر مكانه ، فسوف تراني ، فلما تجلى ربه
للجبل ، جعله دكا " فأجابه بقوله " لن تراني " ولم يقل لا تراني ولا أني لست بمرئى ،
وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يرى ، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه
الدار ( الدنيا ) لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى . راجع ص 52 - 54 من
حادي الأرواح لابن القيم .
( 2 ) راجع ص 102 من أحكام الروح لأستاذنا المرحوم الشيخ حسنين مخلوف العدوي