ولطف فلان في مذهبه ، وقوله : يخبرك أنه غمض فيه العقل ، وفات الطلب ، وعاد متعمقا ، متلطفا لا يدركه الوهم ، فكذلك لطف الله تبارك وتعالى عن أن يدرك بحد
أو يحد بوصف ، واللطافة منا الصغر والقلة ، فقد جمعنا الاسم واختلف
المعنى .
وأما الخبير فالذي لا يعزب عنه شئ ، ولا يفوته ، ليس للتجربة ، ولا
للاعتبار بالأشياء ، فعند التجربة والاعتبار علمان ولولاهما ما علم لان من كان كذلك
كان جاهلا ، والله لم يزل خبيرا بما يخلق الخبير من الناس المستخبر عن جهل المتعلم ،
فقد جمعنا الاسم ، واختلف المعنى وأما الظاهر فليس من أجل أنه علا الأشياء بركوب
فوقها ، وقعود عليها وتسنم لذراها ، ولكن ذلك لقهره ولغلبته الأشياء وقدرته عليها
كقول الرجل : ظهرت على أعدائي ، وأظهرني الله على خصمي ، يخبر عن الفلج
والغلبة فهكذا ظهور على الأشياء ، ووجه آخر انه الظاهر لمن أراده ، ولا يخفى عليه
شئ وانه مدبر لكل ما برأ ، فأي ظاهر أظهر وأوضح من الله تبارك وتعالى لأنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت ، وفيك من آثاره ما يغنيك ، والظاهر منا البارز بنفسه ،
والمعلوم بحده فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى .
وأما الباطن فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها ولكن ذلك منه
على استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا كقول القائل : أبطنته : يعني خبرته ، وعلمت
مكتوم سره ، والباطن منا الغايب في الشئ المستتر وقد جمعنا الاسم واختلف المعنى
واما القاهر فليس على معنى علاج ونصب واحتيال ، ومدارة ومكر كما يقهر العباد
بعضهم بعضا ، والمقهور منهم يعود قاهرا والقاهر يعود مقهورا ، ولكن ذلك من الله
تبارك وتعالى على أن جميع ما خلق ملبس به الذل لفاعله ، وقلة الامتناع لما أراد به ، لم
يخرج منه طرفة عين ، أن يقول له : ( كن فيكون ) والقاهر منا على ما ذكرت
ووصفت ، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى ، وهكذا جميع الأسماء ، وإن كنا لم
نستجمعها كلها فقد يكتفي الاعتبار بما ألقينا إليك ، والله عونك وعوننا في ارشادنا
وتوفيقنا . . " . ( 1 ) .
وحفلت هذه الرسالة بالاستدلال على قدم الخالق العظيم المبدع والمكون
هامش
( 1 ) أصول الكافي 1 / 120 - 123 .