وأخرج أبو عمرو الداني في سننه عن حذيفة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : " يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم كأنما يقطر من شعره الماء فيقول المهدي : تقدّم صلّ بالناس فيقول عيسى : انّما أقيمت الصلاة لك ، فيصلي خلف رجل من ولدي " ( 1 ) .
قال سبط ابن الجوزي : " وقال السدّي : يجتمع المهدي وعيسى بن مريم فيجئ وقت الصلاة فيقول المهدي لعيسى : تقدم ، فيقول عيسى : أنت أولى فيصلي عيسى وراءه مأموماً " ( 2 ) .
هامش
( 1 ) البرهان ص 160 ، البيان في أخبار صاحب الزمان للكنجي الشافعي ص 77 .
( 2 ) تذكرة الخواص ص 364 ، وللحافظ الكنجي الشافعي تحقيق لطيف في المفاضلة بين المهدي وعيسى إليك نصه :
" فان سأل سائل وقال : مع صحة هذه الأخبار وهي إن عيسى عليه السّلام يصلي خلف المهدي عليه السّلام ويجاهد بين يديه وانه يقتل الدجّال بين يدي المهدي عليه السّلام ورتبة التقدم في الصلاة معروفة ، وكذلك رتبة التقدم للجهاد ، وهذه الأخبار مما ثبت طرقها وصحتها عند السنة وكذلك ترويها الشيعة على السواء ، فذا هو الاجماع من كافة أهل الاسلام ، إذ من عدا الشيعة والسنة من الفرق فقوله ساقط مردود وحشو مطرح ، فثبت إن هذا اجماع كافة أهل الاسلام ، ومع ثبوت الاجماع على ذلك وصحّته فأيما أفضل الإمام أو المأموم في الصلاة والجهاد معاً ؟ ؟ .
الجواب عن ذلك هو إن نقول : انهما قدوتان نبي وإمام وإن كان أحدهما قدوة لصاحبه في حال اجتماعهما وهو الإمام يكون قدوة للنبي في تلك الحال ، وليس فيهما من تأخذه في الله لومة لائم ، وهما أيضاً معصومان من ارتكاب القبايح كافة والمداهنة والرياء والنفاق ، ولا يدعوا الداعي لأحدهما إلى فعل ما يكون خارجاً عن حكم الشريعة ولا مخالفاً لمراد الله تعالى ورسوله ، وإذا كان الأمر كذلك فالإمام أفضل من المأموم لموضع ورود الشريعة المحمدية بذلك بدليل قوله صلّى الله عليه وآله : " يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فان استووا فأعلمهم فان استووا فأفقههم ، فان استووا فأقدمهم هجرة فان استووا فأصبحهم وجهاً " فلو علم الإمام إن عيسى أفضل منه لما جاز له إن يتقدم عليه لإحكامه علم الشريعة ولموضع تنزيه الله تعالى من ارتكاب كل مكروه ، وكذلك لو علم عيسى انه أفضل منه لما جاز أن يقتدي به لموضع تنزيه الله تعالى له من الرياء عيسى إن الإمام أعلم منه فلذلك قدمه وصلى خلف ، ولولا ذلك لم يسعه الاقتداء بالإمام ، فهذه درجة الفضل في الصلاة ، ثم الجهاد هو بذل النفس بين يدي من يرغب إلى الله تعالى بذلك ، ولولا ذلك لم يصحّ لأحد جهاد بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وبين يدي غيره ، والدليل على صحة ما ذهبنا اليه قول الله سبحانه : ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ولأن الإمام نائب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في أمته ولا يسوغ لعيسى عليه السّلام أن يتقدم على الرسول فكذلك على نائبه .
ومما يؤيد هذا القول هو ما رواه الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه في حديث طويل في نزول عيسى فمن ذلك قالت أم شريك بنت أبي العكر : يا رسول الله فأين العرب يومئذ ؟ قال : هم يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس وإمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ أنزل عليهم عيسى بن مريم عليه السّلام الصبح فيرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول تقدم .
قلت ، هذا حديث صحيح ثابت ذكره ابن ماجة في كتابه عن أبي إمامة الباهلي قال : خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وهذا مختصره .
أخبرنا الحافظ يوسف بحلب أخبرنا القاضي أبو المكارم . . . عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : منا الذي يصلي عيسى بن مريم عليهما السلام خلفه . قلت هكذا أخرجه الحافظ أبو نعيم في كتاب مناقب المهدي عليه السّلام وكتابه أصل . ( البيان في أخبار صاحب الزمان ص 77 ) .