قال : فلما أتم كلامه خرّ مغشياً عليه فرفعت رأسه إلى حجري ونفضت التراب عن وجهه ، فلما أفاق ، قلت : أيً بني ما أنزل بك وأنت صبي صغير لم يكتب عليك ذنب ؟ قال : إليك عني يا بهلول ، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا تتّقد إلاّ بالصغار وأنا أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم فقلت له : أي بني أراك حكيماً فعظني فأنشأ يقول :
غفلت وحادي الموت في أثري يحدو * وإن لم أرح يوماً فلا بدّ أن أغدو
أنعّم جسمي باللباس ولينه * وليس لجسمي من لباس البلى بدٌّ
كأني به قد مرّ في برزخ البلا * ومن فوقه ردم ومن تحته لحد
وقد ذهبت عني المحاسن وانمحت * ولم يبق فوق العظم لحم ولا جلد
أرى العمر قد ولّى ولم أدرك المنى * وليس معي زاد وفي سفري بعد
وقد كنت جاهرت المهيمن عاصياً * وأحدثت أحداثاً وليس لها ردّ
وأرخيت دون الناس ستراً من الحيا * وما خفت من سريّ غداً عنده يبدو
بلى خفته لكن وثقت بحلمه * وأن ليس يعفو غيره فله الحمد
فلو لم يكن شئ سوى الموت والبلى * ولم يك من ربيّ وعيد ولا وعد
لكان لنا في الموت شغل وفي البلى * ولم يك من ربي وعيد ولا وعد
لكان لنا في الموت شغل وفي البلى * عن اللهو لكن زال عن رأينا الرشد
عسى غافر الزلاّت يغفر زلّتي * فقد يغفر المولى إذا أذنب العبد
أنا عبد سوء خنت مولاي عهده * كذلك عبد السوء ليس له عهد
فكيف إذا أحرقت بالنّار جثّتي * ونارك لا يقوى لها الحجر الصّلد
أنا الفرد عند الموت والفرد في البلى * وأبعث فرداً فارحم الفرد يا فرد
قال بهلول : فلما فرغ من كلامه وقعت مغشياً عليّ ، وانصرف الصبي فلما