وثانيا : لو فرضنا انطباق اتحاد المصدر والحاصل على المقام ، فمع ذلك
لا يمكن الأخذ بالاطلاق ، فإنهما وإن كانا متحدين بالذات ، إلا أنه
ما مختلفان
بالاعتبار ، بمعنى أنهما عنوانان منتزعان من ذات واحدة باعتبارين ، وبما أن المسمى
هو أحد العنوانين ، فلا يمكن الأخذ بإطلاق دليل تنفيذه لرفع الشك عن الآخر ،
لاستحالة تعلق الحكم المتعلق بعنوان على غيره . مثلا حكم الحلية متعلقة بطبيعة
البيع في ( أحل الله البيع ) ( 1 ) ، كما أن حكم وجوب الوفاء متعلقة بكل عقد في قوله
تعالى : ( أوفوا بالعقود ) ( 2 ) . والبيع الخارجي معنون بعناوين كثيرة ، مثل صادر من
زيد في شهر كذا في مكان كذا ، وهكذا ، فهل يمكن أن يقال : إن الآيتين دالتان على
صحة هذا البيع بعنوان أنه معنون بالعناوين المذكورة ؟ أو يقال : إنه صحيح ، لأنه بيع ،
أو لأنه عقد . وكذلك الآيتان دالتان على أن البيع بمعناه الواقعي - وهو الحاصل من
المصدر - نافذ ، وأما أنه بمعناه المصدري فأجنبي عن مفادهما ، فالمعتبر هنا هو
اختلافهما الاعتباري ، ولا عبرة باتحادهما الذاتي ( 3 ) .
هامش
1 - البقرة 2 : 275 .
2 - المائدة 5 : 1 .
3 - وبما أفاده مد ظله ظهر جواز اجتماع الأمر والنهي مطلقا ، فالتفصيل الذي أفاده بعض
أعاظم أساتيذنا - وهو الفرق بين العنوانين المتأصلين والانتزاعيين من معنون واحد ومتأصل
وانتزاعي من الأول ، بالجواز في الأول وعدمه في الأخيرين ، بدعوى أن التركيب في الأول
انضمامي ، بخلاف الأخيرين ، فإنه اتحادي لا وجه له . فإن تعدد العنوان وإن لم يستلزم تعدد
المعنون ، إلا أن العناوين المتعددة قابلة للانطباق على معنون واحد ، وسراية الحكم المتعلق
بعنوان إلى عنوان آخر غير معقول ، فلو لم يكن في الوضوء بالماء المغصوب إجماع على
البطلان ، فإنا نلتزم بالصحة مع تمشي قصد القربة ولو في صورة العلم والعمد ، فضلا عن
غيرها . وكذلك لا معنى لتعارض الدليلين بنحو العموم من وجه ، إلا أن يعلم من الخارج
بكذب أحد الدليلين في المجمع وهذا أمر آخر ، فلو ورد دليل بأنه يجب إكرام العالم ، وورد
دليل آخر بأنه يحرم إكرام الفاسق ، فأكرم المكلف عالما فاسقا ، امتثل الأول وعصى الثاني
بعين ما تقدم . المقرر حفظه الله .