موقوف على إمكان البعث نحو الطبيعة ، ولو كان بعض أشخاصه غير قابل للامتثال ،
وهذا يظهر من ملاحظة تكليف الكفار والعصاة الذين يعلم بعدم انبعاثهم بالبعث
وانزجارهم بالزجر ، ولا يصح البعث الشخصي نحوهم ، بخلاف البعث القانوني
الشامل لهم ولغيرهم .
وبهذا البيان ذكرنا : أن العلم والقدرة ليسا من شرائط التكليف ، بل هما من
شرائط التنجز ، وتفصيل الكلام في محله ( 1 ) .
ولذا ذكرنا في محله : أن ما استدلوا به - في أن خروج بعض أطراف العلم
الاجمالي عن محل الابتلاء من أول الأمر ، يوجب انحلال العلم الاجمالي - : من
لغوية البعث نحو الخارج عن محل الابتلاء ، لعدم إمكان البعث نحوه ( 2 ) ، لا يرجع إلى
محصل ، فإن عدم إمكان الانبعاث نحو شخص خارجي ، لا يوجب لغوية القانون ، فإن
مبادئ القانون أمور مختصة به ، وما يصححه ليس إمكان الانبعاث نحو الأشخاص ،
بل إمكانه نحو الطبيعة - وإن لم يمكن نحو بعض الأشخاص - كاف في تصحيحه .
ففي المقام جعل الخيار قانونا للبيع ، موقوف على عدم لغوية هذا الجعل وإن
كان في بعض أشخاصه - كالمعاطاة - بلا أثر ( 3 ) .
هامش
1 - مناهج الوصول 2 : 23 - 29 ، أنوار الهداية 2 : 216 .
2 - فرائد الأصول 2 : 420 / سطر 11 ، فوائد الأصول ( تقريرات المحقق النائيني ) الكاظمي
4 : 54 ، نهاية الأفكار ( تقريرات المحقق العراقي ) البروجردي 3 : 338 ، درر الفوائد ،
الحائري 2 : 464 .
3 - أقول : الظاهر أن ما أفاده مد ظله خلط بين قيود الموضوع والمتعلق ، ففي المتعلق الأمر
كما ذكره ، فإن حرمة شرب طبيعة الخمر ثابتة وإن لم تكن جميع أفراده تحت القدرة ، بل لو
لم يكن الموجود إلا خمرا واحدا ، مع ذلك تكون الحرمة فعلية ، وهذا بخلاف موضوع
التكليف في الواجبات العينية ، فإن الالتزام بأن الموضوع هو طبيعة المكلف مناف للالتزام
بعينية التكليف ، بل يلزم منه كون التكليف كفائيا ، فإنه لا معنى للواجب العيني إلا أن كل
واحد واحد مكلف بالفعل .
لا أقول : يدخل المشخصات في موضوع الحكم ، بل أقول بتوجه التكليف إلى كل شخص
في الواجبات العينية ، ولو من جهة انطباق عنوان - كالمستطيع - عليه .
ونتيجة ذلك : الانحلال بحسب تعدد الموضوع ، والمدعى اشتراط الموضوع بالقدرة ، فإن
العاجز غير قابل للبعث والزجر .
وبعبارة أخرى : إن البعث والزجر في الواجبات العينية متعلقان بكل شخص شخص ، لا
بالطبيعة المهملة ، فلا بد من إمكان الانبعاث لكل واحد واحد لا للطبيعة المهملة ، فمع عجز
المكلف عن الامتثال يخرج عن موضوع التكليف ، لعدم إمكان الانبعاث بالنسبة إليه ، ولذا
بنينا في بحث الترتب على اشتراط التكاليف بالقدرة بلا كلام ، وأتممناه في ذلك المقام بما
يتضح به المرام .
هذا ، وأما النقض بتكليف العصاة والكفار فليس بوجيه ، فإن الكفر والعصيان مستندان إلى
اختيارهم ، فكيف يدعى عدم إمكان الانبعاث بالنسبة إليهم ؟ ! وصرف العلم بعدم انبعاثهم
لا يوجب لغوية الجعل ، فإن داعي البعث والزجر من قبل الله تعالى ، هو اللطف الذي هو داعي
الجعل التكويني أيضا ، كما قرر في محله ، والعلم بعدم الانبعاث اختيارا غير مناف لذلك ، بل
عدم البعث والزجر مناف له ، فلا بد منهما ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن
بينة ) ، ولذا لا لغوية في ذلك وإن كان التكليف شخصيا . وأما البعث والزجر بالنسبة إلى من لا
يمكنه الانبعاث والانزجار ، فلغويته أظهر من أن تخفى ، فإن مخالفته أو موافقته للتكليف غير
مستندة إلى اختياره ، فكيف يقتضي اللطف مثل هذا الجعل ؟ !
والحاصل : أن الحكم ينحل بتعدد موضوعه ، لا بمعنى أنه إنشاءات متعددة حسب تعدد
الموضوع ، بل بمعنى أن الحكم المنشأ لكل فرد من المكلفين أو الطبيعة المتكثرة أو الطبيعة
السارية يدور مدار موضوعه سعة وضيقا ، فمع عدم إمكان شموله لبعض الأفراد لا يمكن
جعله إطلاقا ، لعدم انقداح الإرادة والكراهة عند المولى العالم الحكيم أولا ، ولزوم اللغوية
ثانيا .
وقد يقال في مقام دفع ذلك : بأنه يكفي فيه ترتب القضاء والنيابة وغير ذلك من الآثار ، ولكن
تصحيح الجعل بهذه الآثار الواقعة في طول الجعل مستلزم لدور ظاهر .
هذا في الأحكام التكليفية ، أي ما اشتمل على البعث والزجر ، وأما الأحكام الوضعية فجعلها
لا يدور مدار القدرة ، كما يعلم من أحكام الضمانات ، لعدم البعث والزجر فيها . نعم ، لا بد من ترتب
أثر على ذلك ، أي كونه موردا لابتلاء المكلف ، وإلا يكون الجعل لغوا ، وقانونية الجعل
لا تصححه بعد فرض شمول الجعل للواقعة الشخصية أيضا ، فالعلم الاجمالي في المثال
منحل ، كما هو المعروف . نعم ، في مسألتنا هذه لا لغوية أبدا لترتب الأثر على الجعل ، فإن
المكلف يتمكن من إعمال الخيار ، كما يتمكن من فسخ العقد بطبعه ، ولا مانع من جعل
الشارع موضوعين لفسخ العقد في مورد واحد ، كما يجعل في العرف علامتان لأمر واحد ،
وأمثاله كثيرة في العرف ، ولا يعد من اللغو أصلا . المقرر حفظه الله .