ولا يخفى أن هذا البحث لا مجال له بناء على أن الضابط في تشخيص المدعي
والمنكر هو مخالفة الظاهر وموافقته ، فإن مصب الدعوى والنتيجة متلازمان في
الظهور وعدمه ، فإن النتيجة هي ثمرة ذاك المصب ، والمصب هو منتج تلك النتيجة ،
وما يكون ظاهرا في أحدهما فهو ظاهر في ملازمه لا محالة .
كما لا مجال أيضا لهذا البحث بناء على أن الضابط في تشخيص المدعي والمنكر
هو أن يكون الذي إذا ترك ترك مدعيا والآخر منكرا - ما لم يرجع إلى مسألة
مخالفة الأصل وموافقته بالتوجيه الذي مضى من المحقق العراقي ( رحمه الله ) ، إذ من الواضح
أن من يترك إلزام الآخر بالنتيجة وهي الخمسة الزائدة في المثال الماضي هو الذي لو
ترك الخصومة ترك ، ومصب الدعوى لا يلعب دورا مغايرا لذلك .
وإنما الذي يمكن أن يتصور بدوا - من التعريفات الثلاثة المهمة للمدعي -
موردا لفتح بحث من هذا القبيل - وهو البحث عن أن المقياس هل هو مصب
الدعوى أو النتيجة - هو التعريف المختار ، وهو أن المدعي من خالف قوله الأصل ،
والمنكر من وافق قوله الأصل ، أو أن المدعي من إذا ترك ترك بالتفسير الماضي عن
المحقق العراقي ( رحمه الله ) ، فيقال مثلا في مسألة الاختلاف في مقدار الأجرة - إذا جعلا
مصب النزاع نفس الإيجارين - : إنه بناء على كون المقياس هو مصب الدعوى فكل
منهما مدع لعقد على خلاف الأصل ومنكر لعقد آخر ، وبناء على كون المقياس
النتيجة فالمؤجر مدع والمستأجر منكر ، لأن المؤجر يدعي مبلغا إضافيا ينكره
المستأجر .
وذكر المحقق العراقي ( رحمه الله ) : أن الصحيح هو أن المقياس قيام الحجة على نفي
الجهة الملزمة المترتبة على الدعوى ، لا الحجة على محط الدعوى محضا ، لأن المدعي
هو الذي لو ترك مخالفة الإلزام الثابت بالأصل والحجة لترك ، وهذا إنما يصدق على
من يطالب بالإلزام بالنتيجة التي يكون مقتضى الأصل والحجة خلافها . أما مجرد
القضاء في الفقه الإسلامي — صفحة 261
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٦١