والجواب : أن هذه الروايات إنما وردت بشأن ترجيح أحد الحكمين على
الآخر بعد صدورهما ، ونحن الآن نتكلم فيما قبل الحكم لتشخيص من له حق الحكم ،
لا فيما بعد صدور الحكمين برضا كلا الخصمين بهما كما هو مورد الروايات .
الإيراد الثاني - وهو تطوير للإيراد الأول بهدف التخلص من الجواب الذي
مضى - أن يقال : لو اختلف الخصمان في رفع النزاع إلى القاضي ، فرفع هذا النزاع إلى
قاض ، ورفع الآخر النزاع إلى قاض آخر ، فتارة نفترض أن أحد القاضيين يتقبل
النزاع ، ويجلب الخصم الآخر ، ويحقق الموضوع ، ويحكم ، دون أن يقوم القاضي
الآخر بعمل مماثل لذلك ، وعندئذ لا ينبغي الكلام في نفوذ حكم ذاك الحاكم لما مضى
من أن المفهوم عرفا من النصب للقضاء ليس مجرد فصل النزاع عند ترافعهما معا إليه ،
بل يشمل ذلك فرض ما إذا رفع الشاكي الشكوى إليه ، فمن حقه أن يجلب الخصم
الآخر ، ويحقق ، ويقضي ، والراد عليه كالراد على الله .
وأخرى نفترض أن كلا القاضيين قد قاما بهذه العملية ، واختلفا في الحكم ،
وحينئذ إما أن نقول : إن المورد دخل تحت مفاد الروايات الماضية الواردة في
تعارض الحكمين ، ونلتزم بالترجيح لا بالقرعة ، وخصوصية مورد الروايات من
تراضي الخصمين بهما ملغية عرفا ، فالمهم هو شرعية قضاء كل منهما في نفسه . أو
نقول : إن أيا منهما كان متقدما في إصدار الحكم ينفذ حكمه ، ويعتبر حكم الآخر
نقضا لحكم الحاكم ، ولا يلتفت إليه ، فإن صدر الحكمان في وقت واحد رجعنا إلى
الترجيح الوارد في الروايات لا إلى القرعة .
أقول : تارة نفترض أن القاضي هو ولي الأمر أيضا كالفقيه في زماننا ، فهو
بإمكانه - بحكم ولاية الفقيه - أن يجلب الخصم الآخر ، ويفصل الخصومة إذا رأى
المصلحة في ذلك ، ولا يبقى مجال بعد ذلك لحكم حاكم آخر ، وأخرى نفترض أنه ليس
وليا للأمر كالفقيه بناء على إنكار ولاية الفقيه ، وكغير الفقيه المنصوب قاضيا من قبل
القضاء في الفقه الإسلامي — صفحة 171
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٧١