فالانصاف أنه بعد ملاحظة هذه الروايات انكار أن القرعة لا يوجب الظن
بإصابة الواقع ليس في محله ، كما أن الأمر في الاستخارة أيضا كذلك ، بل هي أيضا في
الحقيقة نوع من الاقتراع ، خصوصا في استخارة ذات الرقاع التي هي من أعظم
الاستخارات
وأما كون حجيتها من باب تتميم الكشف فيكفي فيه قول أبي الحسن موسى عليه السلام
: ( كل ما حكم الله به فليس بمخطئ ) في مقام ردع الراوي حينما يقول ( إن القرعة
تخطي وتصيب ) .
وهم ودفع
أما الأول : فهو أنه ربما يتوهم منافاة قوله تعالى ( وأن تستقسموا بالأزلام ( 1 ) ) مع
مشروعية الاستخارة ، وذلك من جهة نصوصية الآية في أن الاستقسام بالأزلام
فسق ، مع أنه عبارة عن الاستخارة التي كانت متعارفة عندهم في الجاهلية . فقد حكى
الطبري في تفسيره ( 2 ) ، والزمخشري في الكشاف ( 3 ) ، وجمع آخر في تفسير هذه الآية أن
العرب في الجاهلية كانوا يستقسمون بالأزلام ، أي يطلبون الخير وقسمة الأرزاق
بالقداح ، أي السهام ، لأن أزلام جمع الزلم وهو السهم لا ريش عليه ، فكانوا يتفألون
بها في أمورهم ، ويطلبون ما هو الخير من فعل أو ترك بتلك السهام والأزلام في جميع
أمورهم التي يريدون أن يبتدئوا بها من أسفارهم ، ومساكنهم ومراكبهم ، ومتاجرهم ،
ومناكحهم إلى غير ذلك من مهماتهم ، وذلك بمراجعتهم إلى تلك السهام المعينة التي
كانت عند شخص كان بمنزلة السادن لتلك السهام المحترمة عندهم ، وكانت تلك
السهام مكتوبة على بعضها : ( أمرني ربي ) وعلى بعضها الآخر : ( نهاني ربي ) وبعضها
هامش
( 1 ) المائدة ( 5 ) : 3
( 2 ) ( جامع البيان في تفسير القران ) ج 6 ص 49 .
( 3 ) ( الكشاف ) ج 1 ، ص 604 .