أيضا ، وقد عرفت أن المساهمة المحكية في الكتاب في
موردين كانت هي المساهمة العقلائية ظاهرا ، ومن المعلوم
أن مورد إجراء القرعة ومحلها عند العقلاء لا يكون عاما شاملا
لجميع موارد الاشتباه والجهل ( 1 ) ، بل العقلاء يعملون بها في
موارد مخصوصة ، والظاهر أن ضابطها تزاحم الحقوق . وبعد
ثبوت هذا البناء لا يكاد يفهم من مثل رواية محمد بن حكيم
العموم لغير تلك الموارد .
ويؤيد ما ذكرنا أنه مع كون هذه الرواية بمرأى ومسمع
من الأصحاب ، بل ادعي الإجماع على صدور مضمونها من
الشيخ والشهيد وغيرهما ، وتمسكوا بها في غير مورد من
مسائل القضاء وأشباهها ، ولم يظهر من أحد منهم التمسك
بها ، والفتوى بمضمونها في غير موارد تزاحم الحقوق ، نعم
حكي عن ابن طاووس ( 2 ) الفتوى بالقرعة في مورد اشتباه
القبلة ( 3 ) . ولكنه من الشذوذ بمكان ( 4 ) ، مضافا إلى كونه مخالفا
هامش
( 1 ) هذا أول الكلام ، بل عمل الاستخارة من المسلمين ، وإعمال ما يشبهها من غيرهم يدل
على العموم كما لا يخفى .
( 2 ) وهو قدوة العارفين ، رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الذي قال
العلامة في حقه : " كان أعبد من رأيناه من أهل زمانه ، وكانت وفاته عام 664 " .
( 3 ) الأمان من أخطار الأسفار والأزمان : 93 - 94 .
( 4 ) قوله : من الشذوذ بمكان .
أقول : نسب هذا القول إليه زين الدين الشهيد الثاني في كتاب تمهيد القواعد في
بحث التعادل والتراجيح : ص 283 وارتضاه عند ضيق الوقت وجعله في العروة : 1 / 411
أحوط ، ويأتي دلالة أدلتها على ذلك لو لم يخالف الإجماع ، ولم يدل عليه دليل خاص .