خطر الانسياق لآراء الآخرين
آفة الانسياق معقدة وخطرة إلى درجة أن القرآن الكريم يحذر النبي ( صلى الله عليه وآله ) منها ،
ويؤكد أن فضل الله ورحمته هما اللذان يحولان دون انسياقه لآراء الآخرين :
* ( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك
وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ ) * ( 1 ) .
ومهما كان شأن نزول الآية الكريمة ( 2 ) فهي تشعر بوضوح أن مؤامرة كانت مبيتة .
وكان هدف المتآمرين النفوذ في رأي النبي وحمله على اتخاذ قرار خاطئ ، بيد أن فضل
الله ورحمته حالا دون ذلك .
النقطة الأدق - من منظار القرآن الكريم - هي أن آفة الانسياق لآراء الآخرين
خطرة إلى درجة أنها إذا لم يوق منها فقد تبلغ حتى تحريف الوحي الإلهي !
* ( وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره
وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم
هامش
( 1 ) النساء : 113 .
( 2 ) روي أن رجلا في عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) يدعى " بشيرا " من بني أبيرق دخل بيت مسلم يعرف برفاعة ، وأخذ له طعاما
وسيفا ودرعا . فشكا ذلك إلى ابن أخيه قتادة بن النعمان ، وكان بدريا . فأتى قتادة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأخبره ، بيد أن
بشيرا وأخويه بشرا ومبشرا اتهموا لبيد بن سهل - جار رفاعة - بالسوكان مسلما ذا حسب ونسب .
فاضطرب لبيد من هذه التهمة المفتراة ، وأصلت سيفه وخرج إليهم ، وقال : أترمونني بالسرق وأنتم أولى به مني ،
وأنتم منافقون تهجون رسول الله وتنسبون ذلك إلى قريش ؟ ! لتبينن ذلك أو لأضعن سيفي فيكم ! فداروه . ولكن
عندما علموا أن قتادة أخبر النبي بذلك طلبوا من أحد خطبائهم أن يأتي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في جماعة ويبرئ
السارقين ، ويرمي قتادة بالقذف . فقبل ( صلى الله عليه وآله ) شهادتهم عملا بالظاهر القتادة البرئ غما
شديدا ، ورجع إلى عمه وأخبره متأسفا كثيرا ، فطيب خاطره ، وقال له : الله المستعان ! فنزلت الآيات ( 105 ،
113 ) وبرأت هذا الرجل ، ووبخت الخونة الحقيقيين بشدة . انظر تفسير نمونه ( الأمثل في تفسير كتاب الله
المنزل ) : 4 / 110 - 111 ، مجمع البيان : 3 / 160 - 161 .