قال : فلما بلغهم أرميا رسالة ربهم وسمعوا ما فيها من الوعيد والعذاب
عصوه وكذبوه واتهموه وقالوا : كذبت وأعظمت على الله الفرية فتزعم
أن الله معطل أرضه ومساجده من كتابه وعبادته وتوحيده ؟ فمن يعبده حين
لا يبقى له في الأرض عابد ولا مسجد ولا كتاب ؟ ! لقد أعظمت الفرية على
الله واعتراك الجنون . فأخذوه وقيدوه وسجنوه ، فعند ذلك بعث الله عليهم
بختنصر فأقبل يسير بجنوده حتى نزل بساحتهم ثم حاصرهم فكان كما قال
تعالى : " فجاسوا خلال الديار " قال : فلما طال بهم الحصر نزلوا على
حكمه ففتحوا الأبواب وتخللوا الأزقة وذلك قوله : " فجاسوا خلال الديار "
وحكم فيهم حكم الجاهلية وبطش الجبارين ، فقتل منهم الثلث وسبي الثلث
وترك الزمنى والشيوخ والعجائز ، ثم وطئهم بالخيل وهدم بيت المقدس وساق
الصبيان وأوقف النساء في الأسواق حاسرات ، وقتل المقاتلة وخرب الحصون
وهدم المساجد وحرق التوراة ، وسأل عن دانيال الذي كان قد كتب له
الكتاب فوجدوه قد مات وأخرج أهل بيته الكتاب إليه وكان فيهم
دانيال بن حزقيل الأصغر وميشائيل وعزرائيل وميخائيل ، فأمضى لهم ذلك
الكتاب . وكان دانيال بن حزقيل خلفا من دانيال الأكبر ودخل
بختنصر بجنوده بيت المقدس ووطئ الشام كلها وقتل بني إسرائيل حتى
أفناهم ، فلما فرغ منها انصرف راجعا وحمل الأموال التي كانت بها
وساق السبايا فبلغ معه عدة صبيانهم من أبناء الأحبار والملوك تسعين ألف
غلام ، وقذف الكناسات في بيت المقدس وذبح فيه الخنازير وكان الغلمان
سبعة آلاف غلام من بيت داود ، وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن
يعقوب وأخيه بنيامين ، وثمانية آلاف من سبط ايشى بن يعقوب ، وأربعة
قصص الأنبياء — صفحة 327
مساهمون: ابن كثير
ص٣٢٧