المشي على وجه لا يمكن ( 1 ) من إزالته ، ويكون تكليف المشي مع ذلك مستمرا على
الحقيقة .
وليس لهم أن يفرقوا بين القيد وبين اللطف من حيث كان القيد يتعذر معه
الفعل ( 2 ) ولا يتوهم وقوعه ، وليس كذلك فقد اللطف ، لان أكثر أهل العدل على
أن فقد اللطف كفقد القدرة والآلة ، ( وأن التكليف مع فقد اللطف فيمن له
لطف معلوم كالتكليف مع فقد القدرة والآلة ) ( 3 ) ووجود الموانع ، وأن من لم يفعل
له اللطف ممن له لطف معلوم غير مزاح العلة في التكليف ، كما أن الممنوع غير
مزاح العلة .
والذي ينبغي أن يجاب عن السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أن نقول : إنا
أولا لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه ، بل يجوز ( أن يظهر ) ( 4 ) لأكثرهم ولا
يعلم كل إنسان إلا حال نفسه ، فإن كان ظاهرا له فعلته مزاحة ، وإن لم يكن
ظاهرا له علم ( 5 ) أنه إنما لم يظهر له لأمر يرجع إليه وإن لم يعلمه مفصلا لتقصير من
هامش
( 1 ) في نسخ " أ ، ف ، م " لا يتمكن .
( 2 ) في نسختي " أ ، م " متعذر معه اللطف .
( 3 ) ما بين القوسين ليس في نسخ " أ ، ف ، م " .
( 4 ) ليس في نسخة " ف " .
( 5 ) قال في البحار بعد نقل ما في المتن : ولنتكلم فيما التزمه رحمه الله في ضمن أجوبة اعتراضات
المخالف من كون كل من خفي عليه الامام من الشيعة في زمان الغيبة فهم مقصرون مذنبون
فنقول :
يلزم عليه أن لا يكون أحد من الفرقة المحقة الناجية في زمان الغيبة موصوفا بالعدالة ، لان هذا
الذنب الذي صار مانعا لظهوره عليه السلام من جهتهم إما كبيرة أو صغيرة أصروا عليها ، وعلى
التقديرين ينافي العدالة ، فكيف كان يحكم بعدالة الرواة والأئمة في الجماعات ، وكيف كان يقبل
قولهم في الشهادات ، مع أنا نعلم ضرورة أن كل عصر من الاعصار مشتمل على جماعة من الأخيار
لا يتوقفون مع خروجه عليه السلام وظهور أدنى معجز منه في الاقرار بإمامته وطاعته .
وأيضا فلا شك في أن في كثير من الاعصار الماضية كان الأنبياء والأوصياء محبوسين ممنوعين عن
وصول الخلق إليهم ، وكان معلوما من حال المقرين أنهم لم يكونوا مقصرين في ذلك بل نقول :
لما اختفي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الغار كان ظهوره لأمير المؤمنين صلوات الله عليه وكونه
معه لطفا له ، ولا يمكن إسناد التقصير إليه صلوات الله عليه فالحق في الجواب أن اللطف إنما يكون شرطا للتكليف إذا لم يكن مشتملا على مفسدة ، فإنا نعلم أنه تعالى إذا أظهر علامة مشينة عند
ارتكاب المعاصي على المذنبين كأن يسود وجوههم مثلا فهو أقرب إلى طاعتهم وأبعد عن
معصيتهم ، لكن لاشتماله على كثير من المفاسد لم يفعله ، فيمكن أن يكون ظهوره عليه السلام
مشتملا على مفسدة عظيمة للمقرين يوجب استئصالهم واجتياحهم ، فظهوره عليه السلام مع تلك
الحال ليس لطفا لهم ، وما ذكره ( رحمه الله ) مع أن التكليف مع فقد اللطف كالتكليف مع فقد
الآلة ، فمع تسليمه إنما يتم إذا كان لطفا وارتفعت المفاسد المانعة عن كونه لطفا .
وحاصل الكلام أن بعدما ثبت من الحسن والقبح العقليين وأن العقل يحكم بأن اللطف على الله
تعالى واجب وأن وجود الامام لطف باتفاق جميع العقلاء ، على أن المصلحة في وجود رئيس يدعو
إلى الصلاح ، ويمنع عن الفساد ، وأن وجوده أصلح للعباد ، وأقرب إلى طاعتهم ، وأنه لابد أن
يكون معصوما ، وأن العصمة لا تعلم إلا من جهته تعالى . وأن الاجماع واقع على عدم عصمة غير
صاحب الزمان عليه السلام ، يثبت وجوده عليه السلام .
وأما غيبته عن المخالفين ، فظاهر أنه مستند إلى تقصيرهم ، وأما عن المقرين فيمكن أن يكون
بعضهم مقصرين وبعضهم مع عدم تقصيرهم ممنوعين من بعض الفوائد التي تترتب على ظهوره
عليه السلام لمفسدة لهم في ذك تنشأ من المخالفين ، أو لمصلحة لهم في غيبته بأن يؤمنوا به مع خفاء
الامر وظهور الشبه وشدة المشقة ، فيكونوا أعظم ثوابا ، مع أن إيصال الامام فوائده وهداياته لا
يتوقف على ظهوره بحيث يعرفونه ، فيمكن أن يصل منه عليه السلام إلى أكثر الشيعة ألطاف كثيرة
لا يعرفونها كما سيأتي عنه عليه السلام أنه في غيبته كالشمس تحت السحاب . على أن في غيبات
الأنبياء عليهم السلام دليلا بينا على أن في هذا النوع من وجود الحجة مصلحة وإلا لم يصدر منه
تعالى .
وأما الاعتراضات الموردة على كل من تلك المقدمات وأجوبتها فموكولة إلى مظانها إنتهى .