الفكرين اليوناني والعبري وتطور كل منهما منفردا
والتقائهما أخيرا وتأثير أحدهما على الآخر . فقد تناول
العقل العبري العالم ونظر إليه من ناحيته التي عرضها عليه
الوحي . فاقتبس حكمته من اختبارات الأجيال السالفة
الواردة إليه على يد الأقدمين ، ومن مراقبته لحياة
الإنسان وما وصلت إليه تصرفاته من نتائج ، ومن
دراسته لتكيفات الطبيعة نحو هدف معين . فتوصل
إلى مبادئ صحيحة يضبط بها تصرف الإنسان . ثم
سعى لمعرفة مدى تأييد الاختبار البشري للحقائق
الدينية . ومن هنا كان صراعه مع التناقضات الظاهرية
في سياسة الخالق في الكون ، كرفاهية الأشرار وشقاء
الأبرار مثلا . ومن هذه المصادر المختلفة والبحوث
المتشعبة ثبت لدى الحكيم العبري أن مخافة الله هي بدء
الحكمة . ونشطت الفلسفة ( أو الحكمة ) العبرية على
يد سليمان . فقد أولاها اهتماما خاصا فجمع الأقوال
المأثورة عن الآخرين . ونطق بحكم جديدة نتيجة
لملاحظات عقله الثاقب ، ومعظم أمثاله يتعلق بسلوك
الإنسان وتصرفاته . وهي تتناول العفة ، الاعتدال
في المأكل والمشرب ، وضبط النفس ، والصدق ، والوفاء
والسلوك في حضرة العظماء ، الخ . ومن هنا انتقل
العقل العبري إلى القيم الأدبية في نطاق أوسع ومدى
أبعد . فهو ينظر إلى الحوادث مثلا ليس من حيث
نتائجها الشخصية الحالية الحاضرة بل على ضوء تأثيرها
على الأجيال المقبلة وعلى ضوء العقاب الإلهي فيما بعد .
وأخذ الفيلسوف العبري يدرس الطبيعة ، فوجد لله قصدا
في كل ما خلقه ( مز 104 : 24 ) ، وللعقل أثرا في
كل مكان . ففي خلق الكون وفي دوام وجوده
عقل يعمل ( أم 3 : 19 ) . ووجد الحكمة صفة من
صفات الله ظاهرة في كل جزء من أجزاء الطبيعة . ثم
شخصها ( أم 1 : 20 - 33 و 8 : 12 ) . وصورها
موجودة منذ الأزل ، مبدأة قبل خلق الكون ،
وحاضرة مع الله عندما أنشأ السماوات والأرض ، وأقامها
الله سيدا في الكون الذي خلق ( أم 8 : 22 - 31
وأي 28 : 12 - 27 ) . لم يعتبرها الفيلسوف شخصا
بالفعل بل شيئا ظاهرا لله محسوسا ، فهي المبدأ الذي
رسمه الله للعالم . ونمت الفكرة وتطورت عند الكتاب
المتأخرين إلى حد أنهم ميزوا الحكمة وفصلوها عن الله
أكثر فأكثر ( حكمة 7 : 22 - 8 : 5 و 9 : 4
و 9 ) أطلب " حكمة " ) .
يعزى بدء الفلسفة اليونانية إلى الفيلسوف ناليس
( حوالي 640 ق م ) وتقسم إلى ثلاثة أدوار :
( 1 ) دور المذاهب التي ما قبل سقراط . وقد نشأت
عند الجاليات اليونانية في آسيا الصغرى . وجل بحوثها
يدور حول العنصر أو العناصر الأساسية التي يتألف
منها الكون . فسؤالهم هل الأساس عنصر واحد
كالرطوبة أو الهواء ؟ أم أنه كائن سرمدي ثابت لا
يتغير ؟ أم توازن القوة الفوري ؟ ( 2 ) دور المذاهب
السقراطية ( 469 - 322 ق م ) . ويمثلها سقراط
( 469 - 399 ق . م ) وأفلاطون ( 430 - 347
ق . م ) وأرسطوطاليس ( 384 - 322 ق . م ) . وكانت
مدينة أثينا يومذاك مركز الفكر الفلسفي . وكانت
البحوث متجهة نحو المعنى أو الصورة ( أي جوهر الأشياء )
ولم تكن مجرد فلسفة عقلية ميتافيزيقية جافة . فإنها
كانت مشربة بعنصر أدبي سام . فعن طريق التعليل
الستنتاجي سعى سقراط إلى اكتشاف العنصر الثابت
الذي هو أساس وجوهر الظواهر والآراء المتبدلة
المتقلبة . كما سعى إلى إعطاء الحقيقة التي اكتشفها بهذا
الصدد تعريفا شاملا . أما أرسطوطاليس فجعل العقل
الحكم المطلق فكل نظرية أو عقيدة أو سواها لا
يثبت صحتها المنطق مرفوضة لديه . ( 3 ) دور المذاهب
التي ما بعد المذاهب السقراطية . وكانت الفلسفة قد
قاموس الكتاب المقدس — صفحة 695
مساهمون: مجمع الكنائس الشرقية
ص٦٩٥