انتهت الأزمة عندما بلغت الحرب العاملية الثانية أشد أيامها ، وآذن المحتلون
بالجلاء التام عن البلاد ، وأعلن استقلال سوريا ولبنان عام 1363 ه =
1943 م ، وخرج المستعمرون من الباب ليدخلوا من النافذة كما هو شأنهم في
كل بلد احتلوه .
وقد تعرضت حياة شيخنا الظاهر للخطر غيره مرة ، غير أنه ظل ثابتا على
موقفه المعادي لكل أنواع الاحتلال ، ولم يفت في عضده الارهاب كما فت
عضد غيره ، كما لم يسل لعابه الذهب والعروض كما هي الحال في كثير من
المعارضين والمجاهدين الذين توقفت مسيرتهم عند منتصف الطريق ، وآثروا
المال والمنصب ، بل ظل كما هو في جهاده الموصول إلى نهاية الشوط .
مساهمته في النهضة الثقافية :
كانت مدينة " النبطية " - رغم كونها قاعدة حكومة - متخلفة للغاية إذ كانت
الأمية فيها قد بلغت أقصى حدودها ، فقد كان يبلغ عدد قارئي القرآن الكريم
قراءة بسيطة بلا حفظ وتجويد ، ومن يكتب كتابة غير صحيحة الإملاء ولا
مستقيمة الرسم ، لا يزيد على العشرة في المئة في الذكور ، وأما في الإناث فلا
تكاد توجد واحدة في المئة . وقد عرف المترجم له بين قومه بمحبته للعلم
ونشر الثقافة منذ نعومة أظفاره ، فأخذ يجد ويبذل غاية سعيه في النهوض
بمستوي التعليم في وسطه على ضيق إمكانه ، وكان يساعده في ذلك نفر يعد
على الأصابع ، منهم زميله ومشاركه في جميع مراحل حياته العلمية والأدبية
والسياسية الشيخ أحمد رضا ( 1 ) رحمه الله .
هامش
( 1 ) عالم مؤرخ ولغوي متضلع وأديب كبير من أسرة شريفة في النبطية ، نشأ مع العلامة الظاهر نشأة عالية
وشاركه في التلمذة على أساتذته ، وضاهاه في معارفه وثقافاته ، وأسهم معه في الحركات الوطنية
والسياسية والخدمات العامة وحمل راية العلم وإعلاء شأن الأمة ، أهم مؤلفاته وأشهرها " من اللغة
العربية " ألفه بتكليف المجمع العلمي العربي بدمشق وطبع في خمس مجلدات ضخام .
ولد عام 1290 ه = 1873 م وتوفي عام 1372 ه = ليلة الأحد ثامن تموز سنة 1953 م وكان حفل
تأبينه ضخما ونشر كثير من مراثيه في مجلة " العرفان " وأرخت وفاته بقولي :
قد شاد أحمد صرح * العلوم إذ كان ماثل
وقوم الفضل حتى * أمسى عديم المماثل
وتلك آثاره الغرفي * ذي الحياة دلائل
لذا نعته المعالي * مذ غاب كالبدر آفل
تقول يا مجد أرخ * " قد ضاح صرح الفضائل " .