( 14 )
ص 39 - 40 من العثمانية
لا أشك أن الباطل خان أبا عثمان ، والخطأ أقعده ، والخذلان أصاره إلى الحيرة ،
فما علم وعرف حتى قال ما قال . فزعم أن عليا عليه السلام قبل الهجرة لم يمتحن
ولم يكابد المشاق ، وأنه إنما قاسى مشاق التكليف ومحن الابتلاء منذ يوم بدر ، ونسي
الحصار في الشعب وما منى به ، وأبو بكر وادع رافه يأكل ما يريد ويجلس مع من يحب
مخلى سربه طيبة نفسه ، ساكنا قلبه ، وعلى يقاسى الغمرات ويكابد الأهوال ،
ويجوع ويظمأ ، ويتوقع القتل صباحا ومساء ، لأنه كان هو المتوصل المحتال في إحضار
قوت زهيد من شيوخ قريش وعقلائها سرا ، ليقيم به رمق رسول الله صلى الله عليه
وآله وبنى هاشم وهم في الحصار ، ولا يأمن في كل وقت مفاجأة أعداء رسول الله
صلى الله عليه وآله له بالقتل ، كأبى جهل بن هشام ، وعقبة بن أبي معيط ، والوليد
ابن المغيرة ، وعتبة بن ربيعة ، وغيرهم من فراعنة قريش وجبابرتها . ولقد كان يجيع
نفسه ويطعم رسول الله صلى الله عليه وآله زاده ، ويظمئ نفسه ويسقيه ماءه ، وهو
كان المعلل له إذا مرض ، والمؤنس له إذا استوحش ، وأبو بكر بنجوة عن ذلك
لا يمسه مما يمسهم ألم ، ولم يلحقه مما يلحقهم مشقة ، ولا يعلم بشئ من أخبارهم
وأحوالهم إلا على سبيل الاجمال دون التفصيل ، ثلاث سنين محرمة معاملتهم ومناكحتهم
ومجالستهم ، محبوسين محصورين ، ممنوعين من الخروج ، والتصرف في أنفسهم .
فكيف أهمل الجاحظ هذه الفضيلة ونسي هذه الخصيصة ولا نظير لهما .
ولكن لا يبالي الجاحظ بعد أن يسوغ له لفظه وتنسق ( 1 ) له خطابته ما ضيع من
المعنى ورجع عليه من الخطأ .
فأما قوله : " وعلموا أن العاقبة للمتقين " ففيه إشارة إلى معنى غامض قصده
الجاحظ ، يعنى أن لا فضيلة لعلى عليه السلام في الجهاد ، لان الرسول كان أعلمه أنه
هامش
( 1 ) كذا في ط . وفى الأصل : " وتنشق " .