وقد ينبغي لمن بلغ من صدق نيته وفرط اجتماع لبه ( 1 ) وشدة عزيمته
أن يتكلم في دار التقية ( 2 ) لا في دار العلانية ، حتى خاطر بنفسه وبكل
شئ يهوله ، ومن شأنه أن يفهم الحجة . ويوضح الموعظة ، ويبين عن
موضع المظلمة ، وإلا فسكوته ( 3 ) أحسن من الفارسية .
وكيف فهمت معناه العرب وهى لا تعرف ( 4 ) من الفارسية قليلا ولا
كثيرا ، ولم يكن للنبي صلى الله عليه ترجمان يعبر عنه للفرس فيكون
ذلك الترجمان كان حاضرا لكلامه ، فيفسر للناس معناه .
وكيف نقلت عنه الصحابة إلى التابعين وكل من كان بحضرة القوم
حين بايعوا أبا بكر لا يفهمون الفارسية ، ويكون سلمان حين تكلم بها
استرابوا عندها فسألوه عنها ففسرها . ولو كان ذلك كذلك لحكاه
الذين نقلوا الحديث ، فكان ذلك أحب إلى الروافض ، لأنهم إنما
نقلوه ليعرفوا من كان الطاعن على أبى بكر . والطعن كلما كثرت فيه
المراجعة والمناقضة ، وطال سببه ، وعرف علمه ، كان أدل على الشهرة
والاستفاضة ، وأن الامر كان حقا معروفا .
فواحدة أن الامر لو كان كذلك لكانت الروافض أسرع الناس إلى
حكايته ، لتستشهده على الدعوى ، والتقوى به الحديث ، وتشد به
الحجة .
هامش
( 1 ) اللب : ما جعل في قلب الرجل من العقل . في الأصل : " له " .
( 2 ) بعد هذه الكلمة في الأصل ورقة بأكملها يبدو أنها قفزت إلى هذا الموضع من نهاية
الكتاب فرددتها إلى موضعها هناك منبها عليه .
( 3 ) في الأصل : " وإلا بسكوته " .
( 4 ) في الأصل : " وهو لا يعرف " .