قريش فهو حلم العرب ، والحلم اسم جامع للعلم والحزم - وذلك أنه لما قبض
عمر وصلى صهيب بالناس دعا العباس عليا فقال : هل أحدثتم شيئا ؟
فقال : فاحفظ عنى ، فإني لم أقدمك في شئ إلا رأيتك مستأخرا . من ذلك
أنى قلت له ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيل ( 1 ) : ادخل عليه فسله ،
فإن يكن هذا الامر فينا أعلمه الناس ، وإن يكن في غيرنا أوصى بنا .
فتركت ذلك وقد منيت ( 2 ) بدهاة قريش ، وقد حيل دوني ، فلا يعرضن عليك
شئ إلا قلت : لا لا ، ولا يا أبتي ، تقصر عينيك وتحك قفاك ، بعد
فوت الامر .
ففيما ذكرنا دليل أنه كان لا يساوى أبا بكر ولا يجاريه ، ولا يدانيه
ولا يقاربه . وأنه في طبقة أمثاله طلحة والزبير ، وعبد الرحمن وسعد .
فإن قالوا : فإن عليا كان أزهد فيما تناحر الناس عليه ، ولان
أزهد الناس في الدنيا أرغبهم في الآخرة ، ولان أرغبهم في الآخرة
أعلمهم بأحوال الآخرة .
قلنا : قد صدقتم في صفة الزهد ، ولكن أبا بكر كان أزهد منه .
وسندلكم على ذلك .
فمن ذلك أن أبا بكر كان ذا مال كثير ، ووجه عريض ، وتجارة
واسعة ، فأنفق ذلك في سبيل الخير وعلى أهله ، إيثارا لله ولرسوله ،
وطلب ما عنده حتى لقى ( 3 ) [ الله ] وما كنت تركته يوم مات غير
بعير ناضح . وعبد صيقل ( 4 ) ، مع الخلافة وكثرة الفتوح والغنائم
والخرج والصدقة .
هامش
( 1 ) أي أثقله المرض وأشرف على الوفاة .
( 2 ) في الأصل : " يميت ؟ ؟ " بالاهمال .
( 3 ) في الأصل : " بقي " بإهمال الحرف الأول .
( 4 ) الصيقل : شحاذ السيوف وجلاؤها .