تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
القرآن ، بدليل أول السورة قوله تعالى : * ( والنجم إذا هوى ) * : أي والقرآن إذا أنزل . وقيل المراد بالهوى : هوى النفس الامارة بالسوء ، وأحد لا يجوز على رسول الله ( ص ) اتباع هوى النفس أو القول به ، ولكن طريق الاستنباط والرأي غير هوى النفس . وهذا أيضا تأويل قوله تعالى : * ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ) * ثم في قوله : * ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) * ما يوضح جميع ما قلنا ، لان اتباع الوحي إنما يتم في العمل بما فيه الوحي بعينه ، واستنباط المعنى فيه لاثبات الحكم في نظيره وذلك بالرأي يكون . ثم قد بينا أنه ما كان يقر إلا على الصواب فإذا أقر على ذلك كان ذلك وحيا في المعنى وهو يشبه الوحي في الابتداء على ما بينا ، إلا أنا شرطنا في ذلك أن ينقطع طمعه عن الوحي ، وهو نظير ما يشترط في حق الأمة للعمل بالرأي العرض على الكتاب والسنة ، فإذا لم يوجد في ذلك فحينئذ يصار إلى اجتهاد الرأي . ونظيره من الاحكام من كان في السفر ولا ماء معه وهو يرجو وجود الماء فعليه أن يطلب الماء ولا يعجل بالتيمم ، وإن كان لا يرجو وجود الماء فحينئذ يتيمم ولا يشتغل بالطلب ، فحال غير رسول الله ممن يبتلى بحادثة كحال من لا يرجو وجود الماء ، لأنه لا طمع له في الوحي فلا يؤخر العمل بالرأي والاجتهاد ، ورسول الله ( ص ) كان يأتيه الوحي في كل ساعة عادة فكان حاله فيما يبتلى به من الحوادث كحال من يرجو وجود الماء ، فلهذا كان ينتظر ولا يعجل بالعمل بالرأي ، وكان هذا الانتظار في حقه بمنزلة التأمل في النص المؤول أو الخفي في حق غيره ، ومدة الانتظار في ذلك أن ينقطع طمعه عن نزول الوحي فيه ، بأن كان يخاف الفوت فحينئذ يعمل فيه بالرأي ويبينه للناس ، فإذا أقر على ذلك كانت حجة قاطعة بمنزلة الثابت بالوحي .