تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
التقييد في النص المطلق نسخا من حيث المعنى ، ويجوز أن يرد النسخ على ما هو ناسخ كما يجوز أن يرد النسخ على ما كان مشروعا ابتداء إذ المعنى لا يوجب الفرق بينهما . وبيان هذا فيما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن حرمة مفاداة الأسير الثابت بقوله تعالى : * ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) * قد انتسخ بقوله تعالى : * ( فإما منا بعد وإما فداء ) * ثم قال السدي : هذا قد انتسخ بقوله تعالى : * ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * لان سورة براءة من آخر ما نزل فكان ناسخا للحكم الذي كان قبله . وكذلك حكم الحبس في البيوت والأذى باللسان في كونه حدا قد انتسخ بقوله عليه السلام : ( خذوا عني ) الحديث . ثم هذا الحكم انتسخ بنزول قوله تعالى : * ( فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) * وبرجم النبي عليه السلام ماعز بن مالك رضي الله عنه ، واستقر الحكم على أن الحد الكامل في حق غير المحصن مائة جلدة وفي حق المحصن الرجم . ومما اختلفوا في أنه نسخ أم لا حكم الميراث ، فقد كان التوريث بالحلف والهجرة ثابتا في الابتداء ، قال تعالى : * ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) * وقال تعالى : * ( إن الذين آمنوا وهاجروا ) * إلى قوله : * ( أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ) * الآية ، ثم انتسخ هذا عند بعض العلماء بنزول قوله تعالى : * ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ) * الآية . ومنهم من قال : هذا ليس بنسخ ولكن هذا تقديم وارث على وارث فلا يكون نسخا ، كتقديم الابن على الأخ في الميراث لا يكون نسخ التوريث بالاخوة ، وتقديم الشريك على الجار في استحقاق الشفعة لا يكون نسخ حكم الشفعة بالجوار . والأصح أن نقول : هذا نسخ بعض الأحوال دون البعض ، فإن قوله تعالى : * ( فآتوهم نصيبهم ) * تنصيص على أن بالحلف يستحق النصيب من الميراث مع وجود القريب ، ثم انتسخ هذا الحكم بقوله تعالى : * ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) * حتى لا يستحق بالحلف شيئا مع وجود القريب أصلا . فعرفنا أن هذا الحكم قد انتهى في هذه الحالة فكان نسخا وإن كان
أصول السرخسي — صفحة 85 | أبو الوفاء الأفغاني / السرخسي