التقييد في النص المطلق نسخا من حيث المعنى ، ويجوز أن يرد النسخ على ما هو ناسخ
كما يجوز أن يرد النسخ على ما كان مشروعا ابتداء إذ المعنى لا يوجب الفرق بينهما .
وبيان هذا فيما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن حرمة مفاداة الأسير الثابت
بقوله تعالى : * ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) * قد انتسخ بقوله تعالى : * ( فإما منا
بعد وإما فداء ) * ثم قال السدي : هذا قد انتسخ بقوله تعالى : * ( فاقتلوا المشركين
حيث وجدتموهم ) * لان سورة براءة من آخر ما نزل فكان ناسخا للحكم الذي كان
قبله . وكذلك حكم الحبس في البيوت والأذى باللسان في كونه حدا قد انتسخ بقوله
عليه السلام : ( خذوا عني ) الحديث . ثم هذا الحكم انتسخ بنزول قوله تعالى :
* ( فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ) * وبرجم النبي عليه السلام ماعز بن
مالك رضي الله عنه ، واستقر الحكم على أن الحد الكامل في حق غير المحصن مائة
جلدة وفي حق المحصن الرجم .
ومما اختلفوا في أنه نسخ أم لا حكم الميراث ، فقد كان التوريث بالحلف
والهجرة ثابتا في الابتداء ، قال تعالى : * ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم
نصيبهم ) * وقال تعالى : * ( إن الذين آمنوا وهاجروا ) * إلى قوله : * ( أولئك
بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ) * الآية ، ثم انتسخ هذا عند
بعض العلماء بنزول قوله تعالى : * ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض
في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين ) * الآية . ومنهم من قال : هذا ليس
بنسخ ولكن هذا تقديم وارث على وارث فلا يكون نسخا ، كتقديم الابن
على الأخ في الميراث لا يكون نسخ التوريث بالاخوة ، وتقديم الشريك على
الجار في استحقاق الشفعة لا يكون نسخ حكم الشفعة بالجوار . والأصح أن
نقول : هذا نسخ بعض الأحوال دون البعض ، فإن قوله تعالى : * ( فآتوهم
نصيبهم ) * تنصيص على أن بالحلف يستحق النصيب من الميراث مع وجود
القريب ، ثم انتسخ هذا الحكم بقوله تعالى : * ( وأولو الأرحام بعضهم
أولى ببعض في كتاب الله ) * حتى لا يستحق بالحلف شيئا مع وجود القريب
أصلا . فعرفنا أن هذا الحكم قد انتهى في هذه الحالة فكان نسخا وإن كان
أصول السرخسي — صفحة 85
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٨٥