تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
فصل : في بيان محل النسخ قد بينا أن جواز النسخ مختص بما يجوز أن يكون مشروعا ويجوز أن لا يكون مشروعا وهو مما يحتمل التوقيت نصا مع كونه مشروعا ، لأنه بيان مدة بقاء الحكم وبعد انتهاء المدة لا يبقى مشروعا فلا بد من أن يكون فيه احتمال الوصفين . وبهذا البيان يظهر أنه إذا كان موقتا فلا بد من أن يكون محتملا للتوقيت نصا ، وفي هذا بيان أنه ليس في أصل التوحيد احتمال النسخ بوجه من الوجوه ، لان الله تعالى بأسمائه وصفاته لم يزل كان ولا يزال يكون ، ومن صفاته أنه صادق حكيم عالم بحقائق الأمور فلا احتمال للنسخ في هذا بوجه من الوجوه ، ألا ترى أن الامر بالايمان بالله وكتبه ورسله لا يحتمل التوقيت بالنص ، وأنه لا يجوز أن يكون غير مشروع بحال من الأحوال . وعلى هذا قال جمهور العلماء لا نسخ في الاخبار أيضا ، يعنون في معاني الأخبار واعتقاد كون المخبر به على ما أخبر به الصادق الحكيم ، بخلاف ما يقوله بعض أهل الزيغ من احتمال النسخ في الاخبار التي تكون في المستقبل ، لظاهر قوله تعالى : * ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) * ولكنا نقول : الاخبار ثلاثة : خبر عن وجود ما هو ماض وذلك ليس فيه احتمال التوقيت ولا احتمال أن لا يكون موجودا ، وخبر عما هو موجود في الحال وليس فيه هذا الاحتمال أيضا ، وخبر عما هو كائن في المستقبل نحو الاخبار بقيام الساعة وليس فيه احتمال ما بينا من التردد ، فتجويز النسخ في شئ من ذلك يكون قولا بتجويز الكذب والغلط على المخبر به ، ألا ترى أنه لا يستقيم أن يقال اعتقدوا الصدق في هذا الخبر إلى وقت كذا ثم اعتقدوا فيه الكذب بعد ذلك . والقول بجواز النسخ في معاني الأخبار يؤدي إلى هذا لا محالة ، وهو البداء والجهل الذي تدعيه اليهود في أصل النسخ . فأما قوله تعالى : * ( يمحو الله ما يشاء ويثبت ) * فقد فسره الحسن رضي الله عنه بالاحياء والإماتة . وفسره زيد بن أسلم رضي الله عنه قال : * ( يمحو الله ما يشاء ) * مما أنزله من الوحي * ( ويثبت ) * بإنزال الوحي فيه . فعلى هذا يتبين أن المراد ما يجوز أن يكون مؤقتا أو أن المراد التلاوة ، ونحن نجوز ذلك في الاخبار أيضا بأن تترك التلاوة فيه حتى يندرس وينعدم حفظه من قلوب العباد كما في الكتب المتقدمة ، وإنما