إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته ) * فالاستثناء الأول كان من المهلكين
ثم فهم منه الانجاء ، والاستثناء الثاني من المنجين فإنما فهم منه أنهم من المهلكين .
وعلى هذا قالوا : إذا قال لفلان علي عشرة دراهم إلا ثلاثة إلا درهمين يلزمه تسعة ،
لان الاستثناء الأول من الاثبات فكان نفيا ، والاستثناء الثاني من النفي فكان
إثباتا ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( فشربوا منه إلا قليلا منهم ) * : أي إلا قليلا
منهم لم يشربوا ، فقد نص على هذا في قوله تعالى : * ( إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) *
وإذا ثبت أن المراد بالكلام هذا كان في موجبه كالمنصوص عليه ، والدليل عليه
كلمة الشهادة فإنها كلمة التوحيد لاشتمالها على النفي والاثبات ، وإنما يتحقق ذلك
إذا جعل كأنه قال إلا الله فإنه هو الاله ، والدليل عليه أن صيغة الايجاب إذا صح
من المتكلم فهو مفيد حكمه إلا أن يمنع منه مانع وبالاستثناء لا ينتفي التكلم بكلام
صحيح في جميع ما تناوله أصل الكلام ، ولو لم يكن الاستثناء موجبا هو معارض
مانع لما امتنع ثبوت الحكم فيه ، لان بالاستثناء لا يخرج من أن يكون متكلما به
فيه ، لاستحالة أن يكون متكلما به غير متكلم في كلام واحد ، ولكن يجوز
أن يكون متكلما به ويمتنع ثبوت الحكم فيه لمانع منع منه كما في البيع بشرط الخيار ،
فعرفنا أن الطريق الصحيح في الاستثناء هذا ، وعليه خرج مذهبه فقال في قوله
تعالى : * ( إلا الذين تابوا ) * في آية القذف : إن المراد إلا الذين تابوا فأولئك هم الصالحون
وتقبل شهادتهم ، إلا أنه لا يتناول هذا الاستثناء الجلد على وجه المعارضة ، لأنه
استثناء لبعض الأحوال بإيجاب حكم فيه سوى الحكم الأول وهو حال ما بعد التوبة
فيختص بما يحتمل التوقيت دون ما لا يحتمل التوقيت ، وإقامة الجلد لا يحتمل ذلك ،
فأما رد الشهادة والتفسيق يحتمل ذلك . وقال في قوله عليه السلام : لا تبيعوا
الطعام بالطعام إلا سواء بسواء إن المراد لكن إن جعلتموه سواء بسواء فبيعوا
أحدهما بالآخر حتى أثبت بالحديث حكمين : حكم الحرمة لمطلق الطعام ( بالطعام )
فأثبته في القليل والكثير ، وحكم الحل بوجود المساواة كما هو موجب الاستثناء
فيختص بالكثير الذي يقبل المساواة . وهو نظير قوله تعالى : * ( فنصف ما فرضتم
أصول السرخسي — صفحة 37
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٧