تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
الامر ، وقد بينا أن الحكم غير مضاف إلى العلامة وجوبا ولا وجودا . والدليل عليه أن الوجوب لفائدة راجعة إلى العباد ، فإن الله يتعالى عن أن تلحقه المنافع والمضار ، أي يوصف بالحاجة إلى إيجاب حق على عبده لنفسه ، والفائدة للعباد ما يكون لهم به من الجزاء ، وذلك لا يكون إلا بالأداء الذي يكون عن اختيار من العبد ، فإثبات الوجوب بدون أهلية وجوب الأداء وبدون تصور الأداء يكون إثبات حكم شرعي هو خال من الفائدة والقول به لا يجوز . قال رضي الله عنه : وكلا الطريقين عندي غير مرضي ، لما في الطريق الأول من مجاوزة الحد في الغلو ، وفي الطريق الثاني من مجاوزة الحد في التقصير ، فإن القول بأنه لا عبرة للأسباب التي جعلها الشرع سببا لوجوب حقوقه على سبيل الابتلاء للعباد ولتعظيم بعض الأوقات أو الأمكنة وتفضيلها على بعض نوع تقصير ، والقول بأن الوجوب ثابت بنفس السبب من غير اعتبار ما هو حكم الوجوب نوع غلو ، ولكن الطريق الصحيح أن يقول بأن بعد وجوب السبب والمحل لا يثبت الوجوب إلا بوجود الصلاحية لما هو حكم الوجوب ، لان الوجوب غير مراد ذمة لعينه بل لحكمه ، فكما لا يثبت الوجوب إذا وجد السبب بدون نفس المحل فكذلك لا يثبت إذا وجد السبب والمحل بدون حكم ، وهذا لان بدون الحكم لا يكون مفيدا في الدنيا ولا في الآخرة ، فإن فائدة الحكم في الدنيا تحقيق معنى الابتلاء ، وفي الآخرة الجزاء وذلك باعتبار الحكم ، ونعني بهذا الحكم وجوب الأداء ووجود الأداء عند مباشرة العبد عن اختيار حتى يظهر به المطيع من العاصي ، فيتحقق الابتلاء المذكور في قوله تعالى : * ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) * وكذلك المجازاة في الآخرة ينبني على هذا كما قال تعالى : * ( جزاء بما كانوا يعملون ) * وهذا لان الوجوب خبر لا اختيار فيه للعبد كما قالوا ، وإنما ينال العبد الجزاء على ما له فيه اختيار ، فتبين أن
أصول السرخسي — صفحة 335 | أبو الوفاء الأفغاني / السرخسي