الامر ، وقد بينا أن الحكم غير مضاف إلى العلامة وجوبا ولا وجودا .
والدليل عليه أن الوجوب لفائدة راجعة إلى العباد ، فإن الله يتعالى عن أن
تلحقه المنافع والمضار ، أي يوصف بالحاجة إلى إيجاب حق على عبده لنفسه ،
والفائدة للعباد ما يكون لهم به من الجزاء ، وذلك لا يكون إلا بالأداء الذي يكون
عن اختيار من العبد ، فإثبات الوجوب بدون أهلية وجوب الأداء وبدون
تصور الأداء يكون إثبات حكم شرعي هو خال من الفائدة والقول به لا يجوز .
قال رضي الله عنه : وكلا الطريقين عندي غير مرضي ، لما في الطريق الأول
من مجاوزة الحد في الغلو ، وفي الطريق الثاني من مجاوزة الحد في التقصير ،
فإن القول بأنه لا عبرة للأسباب التي جعلها الشرع سببا لوجوب حقوقه على سبيل
الابتلاء للعباد ولتعظيم بعض الأوقات أو الأمكنة وتفضيلها على بعض
نوع تقصير ، والقول بأن الوجوب ثابت بنفس السبب من غير اعتبار ما هو حكم
الوجوب نوع غلو ، ولكن الطريق الصحيح أن يقول بأن بعد وجوب السبب
والمحل لا يثبت الوجوب إلا بوجود الصلاحية لما هو حكم الوجوب ، لان
الوجوب غير مراد ذمة لعينه بل لحكمه ، فكما لا يثبت الوجوب إذا وجد السبب
بدون نفس المحل فكذلك لا يثبت إذا وجد السبب والمحل بدون حكم ،
وهذا لان بدون الحكم لا يكون مفيدا في الدنيا ولا في الآخرة ، فإن فائدة الحكم
في الدنيا تحقيق معنى الابتلاء ، وفي الآخرة الجزاء وذلك باعتبار الحكم ،
ونعني بهذا الحكم وجوب الأداء ووجود الأداء عند مباشرة العبد عن اختيار
حتى يظهر به المطيع من العاصي ، فيتحقق الابتلاء المذكور في قوله تعالى :
* ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) * وكذلك المجازاة في الآخرة ينبني على هذا كما
قال تعالى : * ( جزاء بما كانوا يعملون ) * وهذا لان الوجوب خبر لا اختيار
فيه للعبد كما قالوا ، وإنما ينال العبد الجزاء على ما له فيه اختيار ، فتبين أن
أصول السرخسي — صفحة 335
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٣٥