لان الله تعالى لما خلق الانسان لحمل أمانته أكرمه بالعقل والذمة ليكون بها
أهلا لوجوب حقوق الله تعالى عليه ، ثم أثبت له العصمة والحرية والمالكية
ليبقى فيتمكن من أداء ما حمل من الأمانة ، ثم هذه الحرية والعصمة والمالكية
ثابتة للمرء من حين يولد ، المميز وغير المميز فيه سواء ، فكذلك الذمة الصالحة
لوجوب الحقوق فيها ثابتا له من حين يولد يستوي فيه المميز وغير المميز ،
ثم كما يثبت الوجوب بوجود السبب شرعا في محله تثبت الحرمة ، يعني الحرمة
بالنسب والرضاع والمصاهرة ، وتلك الحرمة تثبت في حق المميز وغير المميز لوجود
السبب بعد صلاحية المحل وإن كان ذلك حكما شرعيا ، فكذلك الوجوب ، ثم
وجوب الأداء بعد هذا يكون بالامر الثابت بالخطاب ، وذلك لا يكون إلا بعد
اعتدال الحال والعلم به ، وقد بينا أن المطالبة بأداء الواجب غير أصل الوجوب ،
وهو تأويل الحديث المروي ( رفع القلم عن ثلاث ) فالمراد بالقلم الحساب ، وذلك
ينبني على وجوب الأداء ( دون أصل الوجوب كما في الدين المؤجل إنما تكون
المحاسبة بعد وجوب الأداء ) بمضي الاجل ، وأصل الوجوب ثابت لوجود
سببه . وزعم بعض مشايخنا أن الوجوب لا يثبت إلا بعد اعتدال الحال بالبلوغ
عن عقل ، لان الموجب هو الله تعالى لما خاطب به عباده من الأمر والنهي ،
وحكم هذا الخطاب لا يثبت في حق المخاطب ما لم يعلم به علما معتبرا في الالزام
شرعا وذلك إنما يكون بعد اعتدال الحال . ومن جعل السبب موجبا فقد أخلى
صيغة الامر عن حكمه ، لان حكم الامر المطلق الوجوب واللزوم ، وإذا كان
الوجوب ثابتا بالسبب قبل ثبوت الخطاب في حقه لم يبق للامر حكم ، فيؤدي
هذا إلى القول بأنه لا فائدة في أوامر الله تعالى ونواهيه ، وأي قول أقبح من
هذا ! ولأنه لا يفهم من الوجوب شئ سوى وجوب الأداء وذلك لا يكون
إلا بعد اعتدال الحال وهو حكم الامر بالاتفاق ، فعرفنا أن الوجوب كذلك ،
فكانت الأسباب بمنزلة العلامات في حقنا لنعرف بظهورها الوجوب بحكم
أصول السرخسي — صفحة 334
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٣٤