تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
لان الله تعالى لما خلق الانسان لحمل أمانته أكرمه بالعقل والذمة ليكون بها أهلا لوجوب حقوق الله تعالى عليه ، ثم أثبت له العصمة والحرية والمالكية ليبقى فيتمكن من أداء ما حمل من الأمانة ، ثم هذه الحرية والعصمة والمالكية ثابتة للمرء من حين يولد ، المميز وغير المميز فيه سواء ، فكذلك الذمة الصالحة لوجوب الحقوق فيها ثابتا له من حين يولد يستوي فيه المميز وغير المميز ، ثم كما يثبت الوجوب بوجود السبب شرعا في محله تثبت الحرمة ، يعني الحرمة بالنسب والرضاع والمصاهرة ، وتلك الحرمة تثبت في حق المميز وغير المميز لوجود السبب بعد صلاحية المحل وإن كان ذلك حكما شرعيا ، فكذلك الوجوب ، ثم وجوب الأداء بعد هذا يكون بالامر الثابت بالخطاب ، وذلك لا يكون إلا بعد اعتدال الحال والعلم به ، وقد بينا أن المطالبة بأداء الواجب غير أصل الوجوب ، وهو تأويل الحديث المروي ( رفع القلم عن ثلاث ) فالمراد بالقلم الحساب ، وذلك ينبني على وجوب الأداء ( دون أصل الوجوب كما في الدين المؤجل إنما تكون المحاسبة بعد وجوب الأداء ) بمضي الاجل ، وأصل الوجوب ثابت لوجود سببه . وزعم بعض مشايخنا أن الوجوب لا يثبت إلا بعد اعتدال الحال بالبلوغ عن عقل ، لان الموجب هو الله تعالى لما خاطب به عباده من الأمر والنهي ، وحكم هذا الخطاب لا يثبت في حق المخاطب ما لم يعلم به علما معتبرا في الالزام شرعا وذلك إنما يكون بعد اعتدال الحال . ومن جعل السبب موجبا فقد أخلى صيغة الامر عن حكمه ، لان حكم الامر المطلق الوجوب واللزوم ، وإذا كان الوجوب ثابتا بالسبب قبل ثبوت الخطاب في حقه لم يبق للامر حكم ، فيؤدي هذا إلى القول بأنه لا فائدة في أوامر الله تعالى ونواهيه ، وأي قول أقبح من هذا ! ولأنه لا يفهم من الوجوب شئ سوى وجوب الأداء وذلك لا يكون إلا بعد اعتدال الحال وهو حكم الامر بالاتفاق ، فعرفنا أن الوجوب كذلك ، فكانت الأسباب بمنزلة العلامات في حقنا لنعرف بظهورها الوجوب بحكم