طريق سوى أن نقول قد صار ذلك شريعة لنبينا عليه السلام ، ويجب على
الناس العمل به بطريق أنه شريعة له حتى يقوم دليل نسخه في شريعته ، ألا ترى
أنه قد اجتمع نبيان في وقت واحد وفي مكان واحد فيمن قبلنا على أن كان
أحدهما تبعا للآخر نحو هارون مع موسى ، ولوط مع إبراهيم كما قال تعالى :
* ( فآمن له لوط ) * فكانت الشريعة لأحدهما والآخر نبي مرسل وهو مأمور
باتباعه والعمل بشريعته ، ولا يجوز القول باجتماع نبيين في وقت واحد ومكان
واحد على أن يكون لكل واحد منهما شريعة تخالف شريعة الآخر في وقت
من الأوقات . واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : * ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم
اقتده ) * ومعلوم أن الهدى في أصل الدين وأحكام الشرع جميعا .
فإن قيل : المراد به الامر بالاقتداء بهم في أصل الدين فإنه مبني على ما تقدم
من قوله تعالى : * ( فلما جن عليه الليل ) * إلى قوله * ( وتلك حجتنا آتيناها
إبراهيم ) * إلى قوله تعالى : * ( أولئك الذين هدى الله ) * والدليل عليه أنه
قد كان في المذكورين من لم يكن نبيا فإنه قال * ( ومن آبائهم وذرياتهم
وإخوانهم ) * ومعلوم أن الامر بالاقتداء في أحكام الشرع لا يكون في غير
الأنبياء وإنما يكون ذلك في أصل الدين ، ولأنه قد كان في شرائعهم الناسخ
والمنسوخ ، فالامر بالاقتداء بهم في الاحكام على الاطلاق يكون آمرا بالعمل
بشيئين مختلفين متضادين وذلك غير جائز . قلنا : في الآية تنصيص على
الاقتداء بهداهم وذلك يعم أصل الدين وأحكام الشرع ، ألا ترى إلى قوله
تعالى : * ( آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) * أنه يدلنا على أن
الهدى كل ما يجب الاتقاء فيه وما يكون المهتدي فيه متقيا ، وقال تعالى :
* ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ) * والحكم إنما يكون
بالشرائع ، ولما سئل مجاهد عن سجدة ص قال : سجدها داود وهو ممن
أمر نبيكم بأن يقتدي به ، وتلا قوله تعالى : * ( فبهداهم اقتده ) * فبهذا تبين
أن هذا أمر مبتدأ غير مبني على ما سبق فعمومه يتناول أصل الدين والشرائع
جميعا . وقوله : فيها ناسخ ومنسوخ ، قلنا : وفي شريعتنا أيضا ناسخ ومنسوخ
ثم لم يمنع ذلك إطلاق القول بوجوب الاقتداء علينا برسول الله
أصول السرخسي — صفحة 103
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٠٣