تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
طريق سوى أن نقول قد صار ذلك شريعة لنبينا عليه السلام ، ويجب على الناس العمل به بطريق أنه شريعة له حتى يقوم دليل نسخه في شريعته ، ألا ترى أنه قد اجتمع نبيان في وقت واحد وفي مكان واحد فيمن قبلنا على أن كان أحدهما تبعا للآخر نحو هارون مع موسى ، ولوط مع إبراهيم كما قال تعالى : * ( فآمن له لوط ) * فكانت الشريعة لأحدهما والآخر نبي مرسل وهو مأمور باتباعه والعمل بشريعته ، ولا يجوز القول باجتماع نبيين في وقت واحد ومكان واحد على أن يكون لكل واحد منهما شريعة تخالف شريعة الآخر في وقت من الأوقات . واستدلوا على ذلك بقوله تعالى : * ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) * ومعلوم أن الهدى في أصل الدين وأحكام الشرع جميعا . فإن قيل : المراد به الامر بالاقتداء بهم في أصل الدين فإنه مبني على ما تقدم من قوله تعالى : * ( فلما جن عليه الليل ) * إلى قوله * ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم ) * إلى قوله تعالى : * ( أولئك الذين هدى الله ) * والدليل عليه أنه قد كان في المذكورين من لم يكن نبيا فإنه قال * ( ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ) * ومعلوم أن الامر بالاقتداء في أحكام الشرع لا يكون في غير الأنبياء وإنما يكون ذلك في أصل الدين ، ولأنه قد كان في شرائعهم الناسخ والمنسوخ ، فالامر بالاقتداء بهم في الاحكام على الاطلاق يكون آمرا بالعمل بشيئين مختلفين متضادين وذلك غير جائز . قلنا : في الآية تنصيص على الاقتداء بهداهم وذلك يعم أصل الدين وأحكام الشرع ، ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) * أنه يدلنا على أن الهدى كل ما يجب الاتقاء فيه وما يكون المهتدي فيه متقيا ، وقال تعالى : * ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ) * والحكم إنما يكون بالشرائع ، ولما سئل مجاهد عن سجدة ص قال : سجدها داود وهو ممن أمر نبيكم بأن يقتدي به ، وتلا قوله تعالى : * ( فبهداهم اقتده ) * فبهذا تبين أن هذا أمر مبتدأ غير مبني على ما سبق فعمومه يتناول أصل الدين والشرائع جميعا . وقوله : فيها ناسخ ومنسوخ ، قلنا : وفي شريعتنا أيضا ناسخ ومنسوخ ثم لم يمنع ذلك إطلاق القول بوجوب الاقتداء علينا برسول الله