الوضوء من حمل الجنازة ، وعلى هذا لم يعمل علماؤنا رحمهم الله بخبر الجهر
بالتسمية ، وخبر رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع ، لأنه
لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام إلى معرفته .
فإن قيل فقد قبلتم الخبر الدال على وجوب الوتر ، وعلى وجوب المضمضة
والاستنشاق في الجنابة وهو خبر الواحد فيما تعم به البلوى . قلنا : لأنه قد
اشتهر أن النبي عليه السلام فعله وأمر بفعله ، فأما الوجوب حكم آخر سوى
الفعل وذلك مما يجوز أن يوقف عليه بعض الخواص لينقلوه إلى غيرهم ،
فإنما قبلنا خبر الواحد في هذا الحكم ، فأما أصل الفعل فإنما أثبتناه
بالنقل المستفيض .
وأما القسم الرابع وهو ما لم تجر المحاجة به بين الصحابة مع ظهور الاختلاف
بينهم في الحكم فإنه زيف ، لأنهم الأصول في نقل الدين لا يتهمون بالكتمان ، ولا يترك
الاحتجاج بما هو الحجة والاشتغال بما ليس بحجة ، فإذا ظهر منهم الاختلاف
في الحكم وجرت المحاجة بينهم فيه بالرأي والرأي ليس بحجة مع ثبوت الخبر ،
فلو كان الخبر صحيحا لاحتج به بعضهم على بعض ، حتى يرتفع به الخلاف الثابت
بينهم بناء على الرأي ، فكان إعراض الكل عن الاحتجاج به دليلا ظاهرا على أنه
سهو ممن رواه بعدهم أو هو منسوخ ، وذلك نحو ما يروى الطلاق بالرجال
والعدة بالنساء فإن الكبار من الصحابة اختلفوا في هذا وأعرضوا عن الاحتجاج
بهذا الحديث أصلا ، فعرفنا أنه غير ثابت أو مؤول ، والمراد به أن إيقاع الطلاق
إلى الرجال . وكذلك ما يروى أن النبي ( ص ) قال : ابتغوا في أموال
اليتامى خيرا كيلا تأكلها الصدقة فإن الصحابة اختلفوا في وجوب الزكاة في
مال الصبي وأعرضوا عن الاحتجاج بهذا الحديث أصلا ، فعرفنا أنه غير ثابت إذ
لو كان ثابتا لاشتهر فيهم وجرت المحاجة به بعد تحقق الحاجة إليه بظهور الاختلاف ، ففي
الانتقاد بالوجهين الأولين تظهر الزيافة معنى للمقابلة ، بمنزلة نقد البلد إذا قوبل بنقد
أجود منه تظهر الزيافة فيه ، وفي الانتقاد بالوجهين الآخرين إظهار الزيافة معنى من
حيث إنه تقوي فيه شبهة الانقطاع ، بمنزلة نقد تبين فيه زيادة غش على ما هو في
أصول السرخسي — صفحة 369
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٦٩