قال رضي الله عنه : وقد رأيت بعض العراقيين من أصحابنا رحمهم الله قالوا :
إن الحقيقة والمجاز لا يجتمعان في لفظ واحد في محل واحد ولكن في محلين مختلفين
يجوز أن يجتمعا ، وهذا قريب بشرط أن لا يكون المجاز مزاحما للحقيقة مدخلا
للجنس على صاحب الحقيقة ، فإن الثوب الواحد على اللابس يجوز أن يكون نصفه
ملكا ونصفه عارية ، وقد قلنا في قوله تعالى : * ( حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ) *
إنه يتناول الجدات وبنات البنات والاسم للام حقيقة وللجدات مجاز ، وكذلك اسم
البنات لبنات الصلب حقيقة ولأولاد البنات مجاز ، وكذلك في قوله تعالى : * ( ولا
تنكحوا ما نكح آباؤكم ) * فإنه موجب حرمة منكوحة الجد كما يوجب حرمة
منكوحة الأب ، فعرفنا أنه يجوز الجمع بينهما في لفظ واحد ولكن في محلين مختلفين
حتى يكون حقيقة في أحدهما مجازا في المحل الآخر ، وهذا بخلاف المشترك فالاحتمال
هناك باعتبار معاني مختلفة ولا تصور لاجتماع تلك المعاني في كلمة واحدة ، وهنا تجمع
الحقيقة والمجاز في احتمال الصيغة لكل واحد منهما معنى واحدا وهو الأصالة في الآباء
والأجداد والأمهات والجدات والولاد في حق الأولاد ولكن بعضها بواسطة وبعضها
بغير واسطة ، فيكون هذا نظير ما قال أبو حنيفة رحمه الله في قوله تعالى : * ( فتيمموا
صعيدا طيبا ) * إنه يتناول جميع أجناس الأرض باعتبار معنى يجمع الكل وهو التصاعد
من الأرض وإن كان الاسم للتراب حقيقة . وبيان الفرق بين المشترك وبين المجاز مع
الحقيقة في المعنى الذي ذكرنا فيما قال في السير : لو استأمن لمواليه وله موال أعلى وأسفل
فالأمان لأحد الفريقين وهو ما أراده الذي آمنه ، وإن لم يرد شيئا يأمن الفريقان
باعتبار أن الأمان يتناول أحدهما لا باعتبار أنه يتناولهما ، لان الاسم مشترك ،
وبمثله لو كان له موال وموالي موال ثبت الأمان للفريقين جميعا باعتبار أنه يجوز
أن يكون اللفظ الواحد عاملا بحقيقته في موضع وبمجازه في موضع آخر .
ثم طريق معرفة الحقيقة السماع لان الأصل فيه الوضع ولا يصير ذلك معلوما إلا
بالسماع بمنزلة المنصوص في أحكام الشرع ، وطريق الوقوف عليها السماع فقط .
أصول السرخسي — صفحة 177
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٧٧