الاستئمان على الآباء والأمهات ؟ قلنا : لان الحقيقة إذا صارت مرادا فاعتبار هذه
الصورة لثبوت الحكم في محل آخر يكون بطريق التبعية لا محالة ، وبنو البنين وموالي
الموالي تليق صفة التبعية بحالهم ، فأما الأجداد والجدات لا يكونون تبعا للآباء
والأمهات وهم الأصول ، فلهذا ترك اعتبار الصورة هناك في إثبات الأمان لهم ، فأما
مسألة النذر فقد قيل معنى النذر هناك يثبت بلفظ ومعنى اليمين بلفظ آخر ، فإن قوله
لله عند إرادة اليمين كقوله بالله إذ الباء واللام تتعاقبان ، قال ابن عباس رضي الله
عنهما : دخل آدم الجنة فلله ما غربت الشمس حتى خرج ، وقوله علي نذر ونحن
إنما أنكرنا اجتماع الحقيقة والمجاز في لفظ واحد مع أن تلك الكلمة نذر بصيغتها يمين
بموجبها إذا أراد اليمين ، لان موجبها وجوب المنذور به ، وإيجاب المباح يمين
كتحريم الحلال المباح وهو نظير شراء القريب تملك بصيغته وإعتاق بموجبه .
وأما مسألة الشرب من الفرات فالحنث عندها باعتبار عموم المجاز ، لان المقصود
شرب ماء الفرات ولا تنقطع هذه النسبة بجعل الماء في الاناء وعند الكرع إنما يحنث
لأنه شرب ماء الفرات ، حتى لو تحول من الفرات إلى نهر آخر لم يحنث إن شرب
منه ، لان النسبة قد انقطعت عن الفرات بالتحول إلى نهر آخر . وأبو حنيفة رحمه الله
اعتبر الحقيقة قال : الشرب من الفرات حقيقة معتادة غير مهجورة وإنما يتناول هذا
اللفظ الماء بطريق المجاز عن قولهم جرى النهر أي الماء فيها ، وإذا صارت الحقيقة مرادا
يتنحى المجاز ، وكذلك في مسألة الحنطة أبو حنيفة اعتبر الظاهر فقال عين الحنطة
مأكول وهو مراد مقصود فيتنحى المجاز ، وهما جعلا ذكر الحنطة عبارة عما في باطنها
مجازا للعرف ، فإنه يقال أهل بلدة كذا يأكلون الحنطة والمراد ما فيها من عين
الحنطة وإنما يحنث لعموم المجاز وهو أنه تناول ما فيها وهذا موجود فيما إذا أكل
من خبزها ، فخرجت المسائل على هذا الحرف وهو اعتبار عموم المجاز بمعرفة المقصود
لا باعتبار الجمع بين الحقيقة والمجاز .
أصول السرخسي — صفحة 176
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٧٦