أن صلاحية الاستعارة غير مختص بطريق اللغة وأن الاتصال في المعاني والأحكام الشرعية
يصلح للاستعارة ، وهذا لان الاستعارة للقرب والاتصال وذلك يتحقق
في المحسوس وغير المحسوس ، فالأحكام الشرعية قائمة بمعناها متعلقة بأسبابها فتكون
موجودة حكما بمنزلة الموجود حسا فيتحقق معنى القرب والاتصال فيها ، ولان
المشروعات إذا تأملت في أسبابها وجدتها دالة على الحكم المطلوب بها باعتبار أصل
اللغة فيما تكون معقولة المعنى والكلام فيه ولا استعارة فيما لا يعقل معناه ، ألا ترى أن
البيع مشروع لايجاب الملك وموضوع له أيضا في اللغة ، وقد اتفق العلماء في جواز
استعارة لفظ التحرير لايقاع الطلاق به ، وجوز الشافعي رحمه الله استعارة لفظ الطلاق
لايقاع العتق به ، والأئمة من السلف استعملوا الاستعارة بهذا الطريق أيضا وكتاب
الله تعالى ناطق بذلك ، يعني قوله تعالى : * ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن
أراد النبي أن يستنكحها ) * فإن الله تعالى جعل هبتها نفسها جوابا للاستنكاح وهو
طلب النكاح ، ولا خلاف أن نكاح رسول الله ( ص ) كان ينعقد بلفظ
الهبة على سبيل الاستعارة لا على سبيل حقيقة الهبة ، فإن الهبة لتمليك المال فلا يكون
عاملا بحقيقتها فيما ليس بمال ، ولأنها لا توجب الملك إلا بالقبض فيما كانت حقيقة
فيه فكيف فيما ليست بحقيقة فيه ، فعرفنا أنها استعارة قامت مقام النكاح بطريق
المجاز ، وكذلك كان يتعلق بنكاحه حكم القسم والطلاق والعدة وإن كان معقودا بلفظ
الهبة ، فعرفنا أنه كان بطريق الاستعارة على معنى أن اللفظ متى صار مجازا عن
غيره سقط اعتبار حقيقته وصار التكلم به كالتكلم بما هو مجاز عنه . ثم ليس
للرسالة أثر في معنى الخصوصية بوجوه الكلام ، فإن معنى الخصوصية هو التخفيف
والتوسعة وما كان يلحقه حرج في استعمال لفظ النكاح فقد كان أفصح الناس ، وهذه
جملة لا خلاف فيها ، إلا أن الشافعي رحمه الله قال نكاح غيره لا ينعقد بهذا اللفظ
لأنه عقد مشروع لمقاصد لا تحصى مما يرجع إلى مصالح الدين والدنيا ، ولفظ النكاح
والتزويج يدل على ذلك باعتبار أنها تبتنى على الاتحاد ، فالتزويج تلفيق بين الشيئين
على وجه يثبت به الاتحاد بينهما في المقصود كزوجي الخف ومصراعي الباب ، والنكاح
أصول السرخسي — صفحة 179
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٧٩