إلى العام الداخل تحت كلمة من يرجح جانب العموم فيه ، فإذا أضافها إلى خاص
يبقى معنى الخصوص معتبرا فيه مع العموم فيتناول بعضا عاما وذلك في أن يتناولهم
إلا واحدا منهم . وإنما رجحنا معنى العموم فيما تلونا من الآيتين بالقرينة المذكورة
فيها وهو قوله تعالى : * ( واستغفر لهم الله ) * وقال تعالى : * ( ذلك أدنى أن تقر
أعينهن ) * وعلى احتمال الخصوص في هذه الكلمة قال في السير الكبير : إذا قال
من دخل منكم هذا الحصن أولا فله من النفل كذا فدخل رجلان معا لم يستحق
واحد منهما شيئا ، لان الأول اسم لفرد سابق فإذا وصله بكلمة من وهو تصريح
بالخصوص يرجح معنى الخصوص فيه فلا يستحق النفل إلا واحد دخل سابقا
على الجماعة .
ونظيرها كلمة ما فإنها تستعمل في ذات ما لا يعقل وفي صفات ما يعقل ، حتى
إذا قيل ما زيد يستقيم في جوابه عالم أو عاقل ، وإذا قيل ما في الدار يستقيم في جوابه
فرس وكلب وحمار ولا يستقيم في الجواب رجل وامرأة ، فعرفنا أنه يستعمل في ذات
ما لا يعقل بمنزلة كلمة من في ذات من يعقل ، ألا ترى أن فرعون عليه اللعنة حين
قال لموسى عليه السلام : وما رب العالمين ؟ وقال موسى : رب السماوات والأرض ؟
أظهر التعجب من جوابه حتى نسبه إلى الجنون ، يعني أنا أسأله عن الماهية وهو
السؤال عن ذات الشئ أجوهر هو أم عرض ، وهو يجيبني عن المنية ألا إن الله تعالى
يتعالى عما سأل اللعين ، ومن شأن الحكيم إذا سمع لغوا أن يعرض عنه ويشتغل
بما هو مفيد ، قال تعالى : * ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم
أعمالكم ) * وهذا ليس جوابا عن اللغو ولكن إعراض عنه وإتمام لذلك الاعراض
بالاشتغال بما هو مفيد ، وكذلك فعل موسى عليه السلام ، فإنه أظهر الاعراض عن
اللغو بالاشتغال بما هو مفيد وهو أن الصانع جل وعلا إنما يعرف بالتأمل في مصنوعاته
وبمعرفة أسمائه وصفاته ، وفي هذا بيان أن اللعين أخطأ في طلب طريق المعرفة
بالسؤال عن الماهية . وقد تأتي كلمة ما بمعنى من ، قال تعالى : * ( وما بناها ) * معناه
أصول السرخسي — صفحة 156
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٥٦