في الأصل ، فإن الرجل يقول رأيت رجلا ثم كلمت الرجل : أي ذلك الرجل بعينه ،
وقال تعالى : * ( كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ) * : أي ذلك
الرسول بعينه ، فعرفنا أنه المعهود ولكن ليس فيما تناوله صيغة الجماعة معهود ليكون
تعريفا لذلك ، فلو لم نجعله للجنس لم تبق للألف واللام فائدة ، فإذا جعل للجنس
كان فيه اعتبار المعنيين جميعا : معنى المعهود من حيث إنه يتناول هذا الجنس من أقسام
الأجناس فيكون تعريفا له ، ومعنى العموم من حيث إن في كل جنس يوجد معنى
الجماعة فلاعتبار المعنيين جميعا جعلناه للجنس ، ثم تناول الواحد فصاعدا حتى
إذا قال إن تزوجت النساء أو اشتريت العبيد أو كلمت الناس يحنث بالواحد ، لان
الواحد في الجنس بمنزلة الثلاثة في الجماعة على معنى أن اسم الجنس يتناول الواحد
حقيقة ، فإن آدم صلوات الله عليه هو الأصل في جنس الرجال ، وحواء رضي الله عنها
هي الأصل في جنس النساء ، وحين لم يكن غيرهما كان اسم الجنس حقيقة لكل واحد
منهما ، فبكثرة الجنس لا تتغير تلك الحقيقة ، فالأدنى المتيقن به في حقيقة اسم الجنس
الواحد كالثلاثة في الجماعة ، فعند الاطلاق ينصرف إليه إلا أن يكون المراد الجمع
فحينئذ لا يحنث قط ويدين في القضاء لأنه نوى حقيقة كلامه ، بخلاف ما إذا نوى
التخصيص في صيغة العام فإنه لا يدين في القضاء .
فأما ما يكون فردا بصيغته عاما بمعناه فهو بمنزلة اسم الجن والإنس فإنه فرد
بصيغته ، ألا ترى أنه ليس له وحدان عام بمعناه وإن لم يذكر فيه الألف واللام بمنزلة
الرجال والنساء ، وكذلك الرهط والقوم فإنه فرد بصيغته إذ لا فرق بين قول القائل
رهط وقوم وبين قوله زيد وعمرو ، وهو ( عام ) بمعناه ، والجماعة والطائفة كذلك
إلا أن الطائفة في لسان الشرع يتناول الواحد فصاعدا ، قال ابن عباس في قوله
تعالى : * ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ) * إنه الواحد فصاعدا ، وقال قتادة
في قوله تعالى : * ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) * إنه الواحد فصاعدا ، وهذا
لاعتبار صيغة الفرد ، وجعلوه بمنزلة الجنس بغير حرف اللام كما يكون مع حرف
اللام الذي هو للعهد ، وعلى هذا قلنا لو حلف لا يشرب ماء يحنث بشرب القليل ، كما
أصول السرخسي — صفحة 154
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٥٤