حقيقة فيما فيه معنى الاجتماع وذلك موجود في الاثنين ، ألا ترى أن في الوصايا والمواريث
جعل للمثنى حكم الجماعة حتى لو أوصى لأقرباء فلان يتناول المثنى فصاعدا ، وللاثنين
من الميراث ما للثلاث فصاعدا ، والاخوان يحجبان الام من الثلث إلى السدس بقوله
تعالى : * ( فإن كان له إخوة ) * وفي كتاب الله تعالى إطلاق عبارة الجمع على المثنى لقوله
تعالى * ( هذان خصمان اختصموا ) * وقال تعالى : * ( وداود وسليمان ) * إلى قوله : * ( وكنا
لحكمهم شاهدين ) * وقال تعالى : * ( إذ تسوروا المحراب ) * إلى قوله تعالى : * ( خصمان
بغى بعضنا على بعض ) * وكذلك في استعمال الناس فإن الاثنين يقولان نحن فعلنا كذا
بمنزلة الثلاثة . وحجتنا في ذلك قول النبي ( ص ) : الواحد شيطان ، والاثنان
شيطانان ، والثلاثة ركب ثم يستقيم نفي صيغة الجماعة عن المثنى بأن يقول :
ما في الدار رجال إنما فيها رجلان ، وقد بينا أن اللفظ إذا كان حقيقة في الشئ لا يستقيم
نفيه عنه ، وإجماع أهل اللغة يشهد بذلك فإنهم يقولون الكلام ثلاثة أقسام وحدان
وتثنية وجمع ، ثم للوحدان أبنية مختلفة وكذلك للجمع ، وليس ذلك للتثنية إنما لها
علامة مخصوصة ، فعرفنا أن المثنى غير الجماعة ، ولما وضعوا للمثنى لفظا على حدة
فلو قلنا بأن للمثنى حكم الجماعة لكان اللفظ الموضوع للثلاثة على خلاف الموضوع
للمثنى تكرارا محضا وكل لفظ موضوع لفائدة جديدة ، ألا ترى أن بعد الثلاث
لم يوضع لما زاد عليها لفظ على حدة لما كانت صيغة الجماعة تجمعها ، وكذلك اللفظ
المفرد والتثنية يذكر من غير عدد ، يقال : رجل ورجلان ( ثم يذكر مقرونا بالعدد
بعد ذلك ، فيقال : ثلاثة رجال وأربعة رجال ) ولا يقال واحد رجل ولا اثنان
رجلان ، وتسمية الثلاثة جماعة بمعنى الاجتماع كما قالوا ولكن اجتماع بصفة وهو
اجتماع لا يتحقق فيه معنى يعارض الافراد على التساوي كما في الثلاثة ، فإن الفرد
من أحد الجانبين يقابله المثنى من جانب آخر ، فأما في الاثنين يتعارض الافراد على
أصول السرخسي — صفحة 152
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٥٢