وما أدري كيف تكون عملية الاستنباط من الدليل هي الدليل نفسه
مع أنها متأخرة في الرتبة عنه ؟ والظاهر أن منشأ ما ذهب إليه اختلاط
مفهوم الدليل عليه بكيفية الاستفادة منه وعدم التفرقة بينهما ، فاستكشاف
حكم الفرع إنما يكون من مساواتهما واقعا في العلة لا من تسويتنا لهما فيها .
هذا كله في القياس الذي يدخل ضمن ما يصلح للدليلية ، وهو الذي
يدار عليه الحديث لدى المتأخرين .
اصطلاح آخر في القياس :
وهناك اصطلاح آخر للقياس ، شاع استعماله على ألسنة أهل الرأي
قديما ، وفحواه : التماس العلل الواقعية للأحكام الشرعية من طريق العقل ،
وجعلها مقياسا لصحة النصوص التشريعية فما وافقها فهو حكم الله الذي
يؤخذ به ، وما خالفها كان موضعا للرفض أو التشكيك .
وعلى هذا النوع من الاصطلاح ، تنزل التعبيرات الشائعة ، ان هذا
الحكم موافق للقياس وذلك الحكم مخالف له . . .
وقد كان القياس بهذا المعنى مثار معركة فكرية واسعة النطاق على
عهد الإمام الصادق ( عليه السلام ) وأبي حنيفة ( 1 ) ، وستأتي الإشارة إليها في موضعها من
هذه الأحاديث ، وعلى أساس من هذا المصطلح ألفت كتب للدفاع عن
الشريعة وبيان أن أحكامها موافقة للقياس أي موافقة للعلل المنطقية ،
وفي رسالة ( القياس في الشرع الاسلامي ) لابن القيم وابن تيمية مثل على
ذلك ، ولكن هذا المصطلح تضاءل استعماله على ألسنة المتأخرين ،
وأصبحت لفظة القياس لا تطلق غالبا إلا على ما عرضناه من المعنى الأول
هامش
( 1 ) عرضنا لهذه المعركة الفكرية مفصلا في محاضراتنا عن ( تاريخ التشريع
الاسلامي ) الملقاة على طلاب السنة الثالثة في كلية الفقه .