تنكر عليهم ، فلو لا أن العمل بها كان صحيحا جائزا ، وإلا كانوا قد أجمعوا على الخطأ وذلك لا يجوز . والاستدلال بهذه الطريقة لا يصح من وجوه . أحدها : أن هذه الأخبار التي رووها كلها أخبار آحاد ، والطريق إلى أنهم عملوا بها أيضا أخبار آحاد ، لأنه لو كانت متواترة لكانت توجب العلم الضروري عندهم [ 1 ] ، ونحن لا نعلم ضرورة أن الصحابة عملت بأخبار الآحاد ، فإذا لا يصح الاعتماد على هذه الأخبار ، لأن المعتمد عليها يكون أوجب العمل بخبر الواحد وذلك لا يجوز . ولا خلاف أيضا بين الأصوليين في أن وجوب العمل بأخبار الآحاد طريقه العلم دون الظن ، وأخبار الآحاد قد ( 1 ) دللنا على أنها لا توجب العلم ، فسقط من هذا الوجه الاحتجاج بهذه الطريقة . والثاني : أنا لو سلمنا أنهم عملوا بهذه الأخبار ، من أين لهم أنهم عملوا بها من حيث كانت أخبار آحاد ومن أجلها ؟ ، وما ينكرون على من قال : إنهم عملوا لدليل دلهم على صحة ما تضمنته هذه الأخبار ؟ أو قرينة اقترنت إليها أوجبت صحتها ؟ أو يكون العامل بها كان قد سمع كما يسمع الراوي ، فلما روي له ذلك تذكر ما كان نسيه ، فعمل به لأجل علمه لا لأجل روايته [ 2 ] ؟
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج ) — صفحة 116
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص١١٦
هامش
( 1 ) وقد دللنا . . . .
المغني 10 : 570 ] ، ورواه أيضا مالك في الموطأ ، والترمذي في كتاب السير ، وابن حنبل ، وأبو داود ، والشافعي .
[ 1 ] هذه الإجابة رد على استدلال أبي إسحاق الشيرازي ومن تابعه حيث أقر بأن الأخبار المروية في هذه القضايا أخبار آحاد لكنه دافع عن صحة الطريق إليها بادعائه حصول التواتر المعنوي ، يقول : « هذا تواتر من طريق المعنى ، فإنها وإن وردت في قصص مختلفة فهي متفقة على إثبات خبر الواحد ، فصار ذلك كالأخبار المتواترة في سخاء حاتم وشجاعة علي كرم الله وجهه » . [ التبصرة : 307 ، شرح اللمع 2 : 594 ] .
[ 2 ] هذه الإجابة رد آخر على استدلال أبي إسحاق الشيرازي ومن تابعه حيث ادعى أنه لا دليل على أن الذين عملوا باخبار الآحاد عملوا بذلك لأسباب اقترنت بها ( التبصرة : 307 ، شرح اللمع 2 : 595 ) ، وحجة الشيخ الطوسي ( ره ) هي أن مجرد ورود هذه الاحتمالات الثلاث تكفي لسقوط صحة دعوى إنكار الاقتران بالأسباب