ثمّ قوله : « إذا اعتبر العقل للإمكان ماهيةً ووجوداً حصل فيه إمكان امكان » ، إن قصد بذلك ثبوت وجود
خارجي لزم التسلسل ، ولم يكن اعتباراً عقليّاً ، وهو ضد ما قاله أوّلاً . وإن قصد بذلك ثبوت وجود
ذهني ، فهو مسلّم ، ونحن لا نتنازع في الثبوت الذهني . وإن قصد أنّه موجود في الخارج باعتبار كونه
ثابتاً في الذهن ويعرض له حينئذ إمكان آخر ذهني ، فهو تسلّم ( 1 ) لما قلناه أيضاً .
الوجه الثاني : لو كان الإمكان ثبوتياً لزم أحد محالات أربعة : إمّا كون الإمكان جوهراً ، أو قيام الموجود
بالمعدوم ، أو قيام الصفة بغير الموصوف ، أو سبق الوجود على الإمكان ، والكلّ باطل ، فالمقدم كذلك .
بيان الشرطية : أنّ الإمكان الثابت للحادث إمّا أن يثبت قبل وجوده أو لا . فإن كان الثاني ، لزم سبق الوجود
على الإمكان . وإن كان الأوّل ، فإمّا أن يكون قائماً بذاته فيكون جوهراً ، إذ لا معنى للجوهر إلاّ المستغنى
في وجوده عن محلّ يقوم به . ( 2 ) وأمّا أن يكون قائماً بغيره ، فذلك الغير إمّا الموصوف ، فيلزم قيام
الموجود بالمحلّ المعدوم ، أو غيره ( 3 ) ، فيلزم قيام الصفة بغير موصوفها . وأمّا بطلان الأقسام فظاهر ،
فإنّ الإمكان أمر نسبي يتوقّف على ثبوت المنتسبين ، فلا تعقل جوهريّته وقيامه بذاته واستقلاله
بالوجود عن محلّه . والضرورة قاضية بسبق الإمكان على الوجود ، فإنّ الشيء يمكن أن يوجد ، ثمّ
يوجد بفاعله . ولا يصحّ أن يقال : يوجد ، ثمّ يمكن وجوده . ولو جوّزنا قيام الموجود بالمعدوم ، لجوّزنا
كون الأجسام عدمية ، لأنّ المشاهد منها ليس إلاّ الأعراض ، وذلك عين السفسطة . ولو جوّزنا قيام
الصفة بغير الموصوف ، لجوّزنا أن يكون زيد عالماً قادراً ذا لون مخصوص وكم
هامش
1 . م : « مسلّم » .
2 . ق وج : « يقوّمه » .
3 . في جميع النسخ : « بغيره » ، وأصلحناه طبقاً للمعنى والسياق .