والإحفاء بي ، والرفع من مجلسي ، والزيادة في بسطي ، وأجتهد في تقبيل يده ، فيمنعنيها ، ولا يمكَّنني منها .
فاتّفق أن دخلت يوما على رسمي ، فوجدته متأهّبا ، تأهّبا لم أعرف سببه ، ولا جرت له به عادة ، ولم أر منه ، ما عوّدنيه ، من الإكرام ، والرفع من مجلسي ، والإقبال عليّ ، والبسط لي ، وجلست دون موضعي ، فما أنكر ذلك مني ، ورمت تقبيل يده ، فمدها إليّ ، وشاهدت ، من أمره ، وفعله ، ما اشتدّ وجومي له ، واختلفت منّي الظنون فيه ، وقلت له عند رؤيتي ما رأيته ، وإنكاري ما أنكرته : أيؤذن لي بالكلام ؟
قال : قل .
قلت : أرى اليوم من الانقباض عنّي ، ما قد أوحشني ، وخفت أن يكون لزلَّة كانت منّي ، فإن يكن ذلك ، فمن حكم التفضّل إشعاري به ، لأطلب بالعذر مخرجا منه ، وأستعين بالأخلاق الشريفة في العفو عنه .
فأجابني بوقار : اسمع أخبرك ، رأيت البارحة في منامي ، كأنّ نهركم هذا ، وأومأ إلى نهر الصليق « 1 » ، قد اتّسع ، حتى صار في عرض
هامش
« 1 » الصلق ، في اللغة : القاع المستوي المطمئن ، وذكر ياقوت في معجمه 3 / 415 : أن الصليق اسم مواضع كانت في بطيحة واسط ، بينها وبين بغداد ، كانت دار ملك مهذب الدولة أبي نصر المستولي على تلك البلاد ، وقبله لعمران بن شاهين ، كانت ملجأ لكل خائف ، ومأوى لكل مطرود ، إذا هرب الخائف من بغداد ، وهي دار ملك بني العباس ، وآل بويه ، والسلجوقية ، لجأ إلى صاحبها ، فلا سبيل إليه بوجه ، ولا يمكن استخلاصه بالغلبة أبدا ، أقول : وفي شمالي بغداد ، اليوم ، منطقة تسمى : الصليخ ، بالخاء ، أحسبها محرفة عن الصليق ، ولعلها سميت باسمها هذا ، لاستواء قاعها وانخفاضه ، ويظهر لي أنها هي المنطقة التي كانت تسمى قبلا : الشماسية ، وقد بنى فيها معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه دارا في السنة 350 بلغت النفقة عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم ، ذكرها ياقوت في معجمه 3 / 317 و 318 وقال : إن مسناة دار معز الدولة ، كان أثرها باقيا في أيامه ، أما باقي المحلة فهي صحراء موحشة .