وأبصرت الناس ، وابتدأوا ينصرفون ، وانصرفت .
فإذا أنا بالزلَّال بعينه ، في أوساط الناس ، سائرا في نهر الأبلَّة ، فتأمّلته ، فإذا بأصحابي على سطحه ، ومعهم عدة مغنّيات .
فحين رأيتهم لم أتمالك نفسي فرحا ، فصرت إليهم ، فحين رأوني عرفوني ، وكبّروا ، وأخذوني إليهم ، وقالوا : ويحك ، أنت حي ؟ وعانقوني ، وفرحوا بي ، وسألوني عن قصتي ، فأخبرتهم بها على أتم شرح .
فقالوا : إنّا لمّا فقدناك في الحال ، وقع لنا أنّك سكرت ، ووقعت في الماء فغرقت ، ولم نشك في هذا ، فمزّقت الجارية ثيابها ، وكسرت عودها ، وجزّت شعرها ، وبكت ، ولطمت ، فما منعناها من شيء من هذا .
ووردنا البصرة ، فقلنا لها : ما تحبين أن نعمل لك ؟ فقد كنا وعدنا مولاك بوعد تمنعنا المروءة من استخدامك معه في حال فقده ، أو سماع غنائك ؟ .
فقالت : تمكنوني من القوت اليسير ، ولبس الثياب السود ، وأن أعمل قبرا في بيت من الدار ، وأجلس عنده ، وأتوب من الغناء ، فمكَّناها من ذلك ، فهي جالسة عنده إلى الآن .
وأخذوني معهم ، فحين دخلت الدار ، ورأيتها بتلك الصورة ، ورأتني شهقت شهقة عظيمة ، ما شككت في تلفها ، واعتنقنا ، فما افترقنا ، ساعة طويلة .
ثم قال لي مولاها : قد وهبتها لك .
فقلت : بل تعتقها ، وتزوّجني منها ، كما وعدتني ، ففعل ذلك ، ودفع إلينا ثيابا كثيرة ، وفرشا ، وقماشا ، وحمل إليّ خمسمائة دينار .
وقال : هذا مقدار ما أردت أن أجريه عليك في كلّ شهر ، منذ أول يوم دخولي البصرة ، وقد اجتمع هذا لهذه المدة ، فخذه ، والجائزة لك مستأنفة في كلّ شهر ، وشئ آخر لكسوتك ، وكسوة الجارية ، والشرط في المنادمة ،
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة — صفحة 282
مساهمون: القاضي التنوخي
ص٢٨٢