قبل الشدّة بأمر الحاج .
قلت : فما حاجتكما ؟
قالا : نريد إنسانا يوقفنا على قبر عبيد اللَّه بن سريج « 1 » .
قال : فنهضت معهما ، حتى بلغت محلة ابن أبي قارة ، من خزاعة ، بمكة ، وهم موالي عبيد اللَّه بن سريج ، فالتمست لهما إنسانا يصحبهما ، حتى يوقفهما على قبره بدسم « 2 » ، فوجدت ابن أبي دباكل ، فأنهضته معهما .
فأخبرني ابن أبي دباكل ، انّه لما وقفهما على قبره ، نزل أحدهما عن راحلته ، وهو عبد اللَّه بن سعيد بن عبد الملك بن مروان ، ثم عقرها ، واندفع يغني غناء الركبان « 3 » بصوت طليل « 4 » حسن :
وقفنا على قبر بدسم فهاجنا
وذكَّرنا بالعيش إذ هو مصحب « 5 »
فجالت بأرجاء الجفون سوافح
من الدمع تستتلي التي تتعقّب
إذا أبطأت عن ساحة الخد ساقها
دم بعد دمع إثره يتصبّب
فإن تسعدا نندب عبيدا بعولة
وقلّ له منّا البكا والتحوّب « 6 »
فلما أتى عليها ، نزل صاحبه ، فعقر ناقته ، وهو رجل من جذام ، يقال له : عبيد اللَّه بن المنتشر ، فاندفع يتغنى غناء « 7 » الخلوات :
هامش
« 1 » ( 1 ) أبو يحيى عبيد اللَّه بن سريج ( 20 - 98 ) ، من أهل مكة ، من أشهر المغنين في صدر الإسلام ( الأعلام 4 / 348 ) .
« 2 » ( 2 ) دسم ، بفتح الدال وسكون السين : موضع قرب مكة ، به قبر عبيد اللَّه بن سريج المغني ( معجم البلدان 2 / 575 ) .
« 3 » ( 3 ) غناء الركبان : هو الحداء ، ويسمى اليوم ببغداد : الركباني .
« 4 » ( 4 ) طليل : الحسن المعجب .
« 5 » ( 5 ) المصحب : المنقاد ، والعيش المصحب : يريد به العيش الناعم الموافق للهوى .
« 6 » ( 6 ) التحوب : التوجع والحزن .
« 7 » ( 7 ) في الأصل : عند .