فخاصموها إلى قاضي البلد ، فلم تنقطع الخصومة .
فدخلوا الحضرة « 1 » ، وتظلَّموا منها فأشخصت ، وحملت [ 157 ط ] إلى القاضي أبي جعفر بن البهلول ، ووقّع إليه بالنظر فيما بينهم على طريق المظالم .
فحضروا عنده وأخذ يسائلهم عن دعواهم « 2 » ، وهي منكرة جميعها .
فقالوا له : أيّها القاضي ، فلان أنت أعرف الناس [ بعظم ] « 3 » مروءته وثيابه ، وما كنت تشاهده له ، وكلَّه كان في يدها له .
وساعة مات ختمنا خزائنه ، وهي كانت في الدار ، ولمّا فتحناها لم نجد له فيها إلَّا عدّة صناديق فيها سراويلات ، وقطعا يسيرة من ثيابه .
فأين مضى هذا ؟ ومن أخذه ؟ وما السبب في عظم السراويلات وقلَّة الثياب ؟
قال : فأقبلت الجارية محتدّة ، كأنّها قد اعدّت الجواب ، فقالت :
أعزّ اللَّه القاضي ، أما سمعت ما حكاه الجاحظ من أنّ رجلا كان يعشق الهواوين « 4 » ، فجمع منها مائتي هاون ، هذا كان يعشق السراويلات .
قال : فضحك القاضي أبو جعفر ، وانفضّ « 5 » المجلس عن غير شيء .
فما انتصفوا منها بعد ذلك .
هامش
« 1 » الحضرة والحاضرة : المدينة الكبيرة ، وهي هنا تعني دار المملكة .
« 2 » في ط : يسائلها عن دعواها .
« 3 » الزيادة من ط .
« 4 » الهواوين : مفردها هاون : يدق فيها الدواء ، فارسية ( الألفاظ الفارسية المعربة 159 ) أقول : والكلمة مستعملة في العراق وتطلق على أداة من النحاس أو الشبه يدق فيها ما يحتاج إلى دقه من ملح وحمص وفلفل لتحضير الطعام .
« 5 » في ط : وانقضى .