لأنه من الضروريات . ودور الدولة هذا ينبع من اهتمامها الشرعي بالفرد والجماعة ،
وينبع أيضاً من اهتمام ولي الأمر الفقيه بمصلحة من يتولاهم من الافراد . ولا شك ان
النظرية القرآنية قدمت ثلاثة مشاريع متوازية لتكامل النظام الصحي للفرد والجماعة
؛ أولها : النظام الوقائي ، وهو النظام الذي يعالج الحالة المرضية قبل وقوعها عن
طريق تنظيم دخول المواد الغذائية إلى جسم الانسان . وثانيها : النظام الغذائي ،
وهو النظام الذي يبعث في الافراد كل ألوان الطاقة والنشاط والتفكير . وثالثها :
النظام العلاجي ، وهو النظام التجريبي الذي لا بد أن يستخدمه الفرد في الحالات
المرضية الاستثنائية ، وقد جاء التأكيد الشرعي عليه من باب احترام القرآن الكريم
للحياة الانسانية المتمثل في قوله تعالى : ( ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً
) المائدة : 32 .
ولا شك ان الاسلام يضمن معيشة المريض وعائلته ضماناً مالياً إلى حد الشفاء
والرجوع إلى الساحة الانتاجية . ولا شك ان اتفاق الفقهاء على أن الطبيب يضمن ما
أتلف بعلاجه ضمن شروط معينة ، يعكس تكامل الفكرة الاسلامية حول السياسة الطبية في
النظام الاجتماعي الاسلامي .
وعلى صعيد السياسة العائلية ، فان النظرية القرآنية تتناول دور العائلة في تعويض
الخسارة البشرية للمجتمع الناتجة بسبب الموت ، وضبط وتهذيب السلوك الجنسي ،
وحماية الافراد وتربيتهم واشباع حاجاتهم العاطفية ، وتنميتهم للاختلاط والتفاعل
الاجتماعي لا حقاً ؛ بل إن القرآن الكريم اعتبر ( الأسرة ) محطة استقرار لعالم
متحرك تنتقل من خلاله ممتلكات الجيل السابق للجيل اللاحق عن طريق الإرث والوصية
الشرعية ، ومحطة لفحص وتثبيت أنساب الافراد عن طريق اعلان المحرمات النسبية
والسببية الناتجة عن الزواج وجواز الاقرار بالنسب . فالعائلة - اذن - تساهم في
خلق الفرد الاجتماعي الصالح للعلم والانتاج ، المشارك في بناء النظام الاقتصادي
والسياسي للمجتمع الاسلامي . وبذلك فان الاسلام يعارض نظرية ( الصراع الاجتماعي )
التي آمنت بأن المؤسسة العائلية هي أول مؤسسة اضطهادية يختبرها الفرد في حياته
الاجتماعية ، ويعارض النظرية التوفيقية التي ساندت العائلة الرأسمالية واعتبرتها
من انجح التشكيلات الاجتماعية على الرغم من ظاهرة العنف والاضطراب التي تمزق تلك
العائلة الرأسمالية اليوم .
وعلى صعيد النظام السياسي ، فان النظرية القرآنية أولت ( الولاية الشرعية ) في
المجتمع الاسلامي أهمية خاصة ؛ لان الولاية لازمة بالبديهة ، بل إن السؤال الذي
اختلف حوله المسلمون بعد وفاة النبي ( ص ) لم يكن في أصل الخلافة ، وانما كان في
موضوع الخلافة والمواصفات التي يجب أن يتحلى بها الخليفة الذي يتحمل مسؤولية
الولاية الشرعية والاشراف على تنظيم شؤون الافراد في المجتمع الاسلامي
النظرية الإجتماعية في القرآن الكريم — صفحة 15
مساهمون: زهير الأعرجي
ص١٥