ويزيل الممالك ويقهر كل سلطان ويبسط العدل ويميت الجور ، فمن هذه صفته يخاف
جانبه وتتقى فورته فيتبع ويوصل ويوضع العيون عليه ، ويعنى به خوفا من وثبته ورهبة من
تمكنه ، فيخاف حينئذ ويخرج إلى التحرز والاستظهار بأن يخفى شخصه عن كل من لا يأمنه
من ولي وعدو إلى وقت خروجه .
( وأيضا ) فآباؤه إنما ظهروا لأنه كان المعلوم أنه لو حدث بهم حادث لكان هناك من يقوم
مقامه ويسد مسده من أولادهم وليس كذلك صاحب الزمان ( عج ) لأن المعلوم أنه ليس
بعده من يقوم مقامه قبل حضور وقت قيامه بالسيف ، فلذلك وجب استتاره وغيبته ، وفارق
حاله حال آبائه ، وهذا واضح بحمد الله .
فإن قيل : بأي شئ يعلم زوال الخوف وقت ظهوره ، بالوحي من الله فالإمام لا يوحى
إليه ، أو بعلم ضروري فذلك ينافي التكليف ، أو بأمارة توجب غلبة الظن ففي ذلك تقرير
بالنفس .
قلنا : عن ذلك جوابان :
( أحدهما ) أن الله أعلمه على لسان نبيه وأوقفه عليه من جهة آبائه زمان غيبته المخوفة
وزمان زوال الخوف عنه ، فهو يتبع في ذلك ما شرع له وأوقف عليه ، وإنما أخفى ذلك عنا
لما فيه من المصلحة ، فأما هو فعالم به لا يرجع إلى الظن .
( والثاني ) أنه لا يمتنع أن يغلب على ظنه بقوة الأمارات بحسب العادة قوة سلطانه ،
فيظهر عند ذلك ويكون قد أعلم أنه متى غلب في ظنه كذلك وجب عليه ، ويكون الظن
شرطا والعمل عنده معلوما ، كما تقوله في تنفيذ الحكم عند شهادة الشهود ، والعمل على
جهات القبلة بحسب الأمارات والظنون ، وإن كان وجوب التنفيذ للحكم والتوجه إلى القبلة
معلومين وهذا واضح بحمد الله ( 1 ) .
وأما ما روي من الأخبار من امتحان الشيعة في حال الغيبة ، وصعوبة الأمر عليهم
واختيارهم للصبر عليه ، فالوجه فيها الإخبار عما يتفق من ذلك من الصعوبة والمشاق ، لا أن
الله تعالى غيب الإمام ليكون ذلك ، وكيف يريد الله ذلك وما ينال المؤمنين من جهة الظالمين
ظلم منهم لهم ومعصية والله لا يريد ذلك ، بل سبب الغيبة هو الخوف على ما قلناه ، وأخبروا
هامش
1 - غيبة الطوسي : 331 .